تصحيح مسار الاقتصاد في إقليم كوردستان

مهند محمود شوقي

على مدى سنوات، اتجه اقتصاد إقليم كوردستان بصورة متزايدة نحو القطاع الخاص، الذي لعب دورًا مهمًا في تعويض النقص في الخدمات والاستثمار خلال مراحل مختلفة. إلا أن هذا التوسع، في بعض القطاعات، ترافق مع اختلالات في السوق، تمثلت في ارتفاع الأسعار، وضعف المنافسة، وظهور حالات احتكار أرهقت المواطن، خاصة في الخدمات الأساسية التي تمس حياته اليومية.

منذ تسلم مسرور بارزاني رئاسة حكومة إقليم كوردستان عام 2019، بدأت الحكومة تتبنى نهجًا إصلاحيًا يقوم على إعادة تعريف دور الحكومة، ليس باعتبارها منافسًا للقطاع الخاص، وإنما بصفتها الجهة المسؤولة عن تنظيم السوق، ومنع الاحتكار، وضمان وصول السلع والخدمات الأساسية إلى المواطنين بأسعار عادلة.

ويعد قرار تنظيم أسعار البنزين المدعوم حكوميًا أحد أبرز الأمثلة على هذا النهج. فالقرار لم يكن مجرد تعديل في آلية بيع الوقود، بل حمل رسالة واضحة مفادها أن الدعم الحكومي يجب أن يصل إلى المواطن، لا أن يتحول إلى مصدر أرباح استثنائية لفئات محدودة. وقد أنهى القرار حالة تفاوت الأسعار التي استمرت سنوات، وأعاد للحكومة دورها في تنظيم سوق يعد من أكثر الأسواق تأثيرًا في معيشة المواطنين.

وتندرج هذه الخطوة ضمن سلسلة من الإجراءات التي تستهدف تعزيز مؤسسات الحكومة وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة. فالحكومة، خلال السنوات الأخيرة، أطلقت مشروع “حسابي” لتوطين رواتب الموظفين، ووسعت التحول الرقمي في الخدمات الحكومية، وعملت على تطوير البنية التحتية، إلى جانب تنفيذ مشاريع استراتيجية في الكهرباء والمياه والطرق، في إطار رؤية تهدف إلى بناء مؤسسات حكومية أكثر كفاءة وأقل عرضة للفساد.

وفي الوقت نفسه، لا تعني هذه السياسات تقليص دور القطاع الخاص، بل إعادة تنظيم العلاقة بينه وبين الحكومة. فالاقتصادات الحديثة تقوم على شراكة بين القطاعين العام والخاص، لكن هذه الشراكة لا يمكن أن تنجح إذا غابت الرقابة أو تحولت بعض الأسواق إلى بيئة احتكارية تحد من المنافسة وترفع كلفة الخدمات على المواطنين.

وتبرز الحاجة إلى هذا التوازن بصورة خاصة في قطاعات مثل الصحة والتعليم، حيث شهدت المستشفيات والمدارس الأهلية توسعًا ملحوظًا خلال السنوات الماضية، بالتوازي مع ارتفاع كلف الخدمات. ومن هنا، فإن تعزيز قدرات القطاع العام وتحسين جودة خدماته لا يهدف إلى إضعاف القطاع الخاص، بل إلى خلق منافسة حقيقية تصب في مصلحة المواطن.

ومن الطبيعي أن تواجه الإصلاحات الاقتصادية مقاومة من الأطراف التي تتضرر مصالحها. فكل محاولة لإعادة تنظيم الأسواق أو الحد من الامتيازات غير المبررة تثير اعتراضات سياسية وإعلامية، خصوصًا عندما تمس مصالح اقتصادية راسخة. غير أن نجاح أي مشروع إصلاحي يقاس بقدرته على تحقيق نتائج ملموسة للمواطن، لا بحجم الجدل الذي يرافقه.

لقد شهدت حكومة مسرور بارزاني إطلاق عدد من المشاريع التي ركزت على تحسين الخدمات الأساسية، وتنويع مصادر الاقتصاد، وتشجيع الاستثمار، والاعتماد بصورة أكبر على الكفاءات المحلية في تنفيذ المشاريع وإدارتها، بدل الاعتماد الواسع على الخبرات الأجنبية كما كان يحدث في مراحل سابقة.

واليوم، تبدو معركة الإصلاح في إقليم كوردستان قد دخلت مرحلة جديدة؛ مرحلة لا تقتصر على تنفيذ المشاريع، بل تمتد إلى إعادة بناء قواعد السوق وتعزيز دور الحكومة بوصفها الجهة المنظمة للاقتصاد والحامية للمصلحة العامة. وإذا استمرت هذه السياسات مدعومة بالشفافية وسيادة القانون، فإنها قد تؤسس لمرحلة أكثر توازنًا، يكون فيها القطاع الخاص شريكًا في التنمية، بينما تبقى الحكومة الضامن لتنظيم السوق وحماية حقوق المواطنين.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أ. د. سربست نبي للقطيع الدوغمائي، الذي اعتاد على الزعيق والصراخ وشتم كل ناقد لأهامه. تأملوا جيداً الفقرات التالية من مواد القانون الذي صادق عليه البرلمان التركي بمن فيه الممثلين السياسيين ل pkk, وأصدره رجب طيب أردوغان تالياً. هذه الفقرات والمواد من نص القانون الذي قبل به أوجلان وقيادة قنديل وممثليهم في البرلمان التركي ووقعوا عليها. فلا مجال بعد الآن…

عاكف حسن هناك شيء يثير الغضب حقاً في ثقافتنا العامة: أن يصبح الكاتب، لا بسبب ضعف ما يكتب، بل بسبب رأي عبّر عنه في منشور أو تصريح، هدفاً للشتائم والتجريح والهجوم. وكأن الاختلاف في الرأي أصبح جريمة، وكأن الوطنية لا تُثبت إلا بالصراخ، والتخوين، ورمي الآخرين بالحجارة الكلامية. وأنا أفكر في هذا كله، أتذكر الكاتب والروائي الكبير جان دوست، ابن…

د. محمود عباس كيف كانت ستبدو إيران اليوم لو لم تحكمها ولاية الفقيه؟ اقتصاد بتريليونات الدولارات، قوة طاقة عالمية، ومجتمع كان يمكن أن يكون بين الأكثر تقدمًا ورفاهًا في آسيا السؤال الأكثر إيلامًا في التجربة الإيرانية ليس، ماذا خسرت إيران منذ عام 1979؟ بل، ماذا كان يمكن أن تصبح؟ فالخسارة لا تُقاس بما انهار وحده، وإنما أيضًا بما…

خالد حسو* حقيقةٌ كنت أشعر بها منذ الأزل، لكنني مع مرور الزمن وتراكم التجارب، ازددتُ يقينًا بها: إنّ الشخص الذي يقف على الحياد دائمًا، بينما تكون الحقيقة واضحة والظلم قائمًا، قد لا يكون محايدًا كما يبدو، بل قد يكون في كثير من الأحيان عدوًّا خفيًّا. فالحياد أمام الحق والباطل ليس دائمًا فضيلة، والصمت أمام الظلم ليس موقفًا محايدًا؛ لأنّ الوقوف…