حين تتحوّل الألقاب الاعلامية إلى سلعة

كفاح محمود

  تقوم البرامج الحوارية الجادّة على فرضية أن النقاش العام ليس ساحةً للاستعراض، بل فضاءٌ معرفي يُفترض أن ينتج فهماً أدق للواقع ويساعد على تقييم الخيارات العامة، غير أن جزءاً من المشهد الفضائي العربي والعراقي خاصة اتّجه خلال السنوات الأخيرة، إلى ما يمكن تسميته “اقتصاد العناوين”: حيث تُباع الألقاب وتُشترى كبدائل سريعة للخبرة والتمثيل، فيُقدَّم بعض المتصدّرين بوصفات مُعلّبة وملتبسة مثل: عضو الحزب الفلاني، قيادي في الحزب الفلاني، محلل استراتيجي، خبير عسكري/أمني… وهي مسميات مُلمَّعة لا يعضدها تحققٌ مهني ولا رصيدٌ علمي، في هذه البيئة لا يعود الضيف صوتاً لمؤسسة أو معرفة، بل يصبح صوتاً لحاجته الشخصية ولهاثه وراء “الطشّة” وتسول المشهد.

جوهر الظاهرة وآلياتها

  الفضائيات المهنية المحترمة تتعامل مع اختيار الضيوف بوصفه قراراً تحريرياً يخضع للمساءلة، لذلك تُدقّق في الخلفية العلمية والعملية، وتتحقق من العنوان الذي سيُعرَّف به الضيف على الشاشة، وما إذا كان هذا العنوان دقيقاً وذا صلة مباشرة بموضوع الحلقة، كما تُميّز بين الرأي والمعلومة، وتحرص على أن يكون تعدد الأصوات مصحوباً بتعددٍ في الخبرات القابلة للفحص لا بتعددٍ في الانفعالات، في المقابل، تميل الفضائيات الموجَّهة دعائياً – وخاصة تلك التي تحمل مشروعاً طائفياً أو عنصرياً أو اقتصادياً أو تستثمر في إشاعة الفوضى والاحتراب – إلى استدعاء أصحاب “العناوين الهشة” لأنها تحقق هدفين معاً: تمنح البرنامج مظهراً شكلياً من التمثيل، وتتيح تمرير رسائل جاهزة من دون التزامٍ بمعايير التحقق أو بحدود المسؤولية.

  ومن أكثر الصيغ استخداماً وإساءةً في هذا السياق عبارة “عضو الحزب الفلاني” أو “قيادي في الحزب الفلاني”، فعندما يُستضاف شخصٌ ضعيف الأداء، ركيك الحجة، أو مرتزق الخطاب، ثم يُقدَّم على أنه قيادي، فإن الضرر لا يقع على الفرد وحده، بل يمتد إلى الحزب الذي أُلصقت به الصفة، وهذا ما تستهدفه القناة المعنية، والمفارقة أن أي حزبٍ منظم يمتلك عادةً ناطقاً رسمياً أو مؤسسات إعلامية مفوضة للتعبير عن توجهاته وسياساته، لذا يصبح سؤال المهنية هنا مشروعاً: لماذا يُتجاوز الناطق المخول لصالح نماذج هشة؟ في كثير من الحالات، تُستخدم هذه الصيغة لتحقيق غاية تسقيطية: توجيه اتهام ضمني للحزب نفسه عبر دفع صورةٍ كاريكاتورية عنه إلى الواجهة، أو إثارة خصوماتٍ اجتماعية وسياسية تُقدَّم لاحقاً على أنها “مواقف ممثلي الحزب”.

  ويزداد الالتباس عند ألقاب مثل “المحلل الاستراتيجي” أو “الخبير الاستراتيجي”، فهذه ليست أوصافاً إنشائية ولا ألقاباً تُمنح بالظهور المتكرر، بل لها تعريفٌ أكاديمي ومؤشرات موضوعية: تكوين علمي مناسب، معرفة منهجية بأدوات التحليل (السياسة العامة، العلاقات الدولية، الاقتصاد السياسي، علم الاجتماع السياسي)، إنتاج بحثي أو خبرة موثقة في مؤسسات بحثية أو مراكز دراسات، وسجل من الأعمال القابلة للتقييم والنقد، أما الرتبة العسكرية السابقة – مهما كانت محترمة – فهي تدرّج وظيفي مهني لا يمنح تلقائياً صفة “خبير استراتيجي”، فالخبرة العملياتية قد تكون قيمة مضافة إذا رافقتها أدوات التحليل، لكنها لا تكفي وحدها؛ ولذلك نرى أحياناً ضيوفاً لا يملكون حتى أبجديات السياسة أو قواعد قراءة الحدث، ومع ذلك يُقدَّمون على أنهم خبراء، فيتحول التحليل إلى انطباعاتٍ وشعارات تُنتج مزيداً من التشويش بدلاً من الفهم.

  وعلى مستوى أعمق، فإن هذا النمط من الاستضافات يشجع الارتزاق الإعلامي ويُنتج سوقاً تفضّل الصراخ على الحجة، وتستبدل التحقق بالإثارة، وتُسهم في تسطيح العقل العام وإشاعة البذاءة والكراهية والعدوانية، وعندما يتحول الإعلام إلى دكاكين تُدار بمنطق التجارة الرخيصة وبتمويلٍ موجَّه – غالباً من جهات تبحث عن النفوذ لا عن الحقيقة – تتراجع المعرفة لصالح التعبئة، ويُستبدل النقاش العام بهوياتٍ متصارعة وصورٍ نمطية تُنتَج وتُعاد تدويرها يومياً.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* البديل الديمقراطي عندما نقول إن «المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية» هو البديل الديمقراطي للنظام الديكتاتوري الديني، فإن ذلك يستند إلى حقيقة أنه يمتلك جميع خصائص البديل؛ القدرة على التنظيم، وامتلاك قوة منظمة في الداخل، والوجه السياسي والإداري للبلاد، والثقة التي تم العمل عليها لسنوات. يعتمد هذا البديل على شبكة واسعة من أعضائه في المدن الإيرانية. يجب أن يكون…

جان ابراهيم هي ثقافة القطيع والتي لاتدرك المفاهيم وما تحمله من معانٍ فالفرحة تعبر عنها الموسيقا والرقص والغناء أما السلاح يعبر عن الحرب والقتل والموت يجب ان نتعمق داخل المفاهيم وندرك دلالات كل مصطلح وما يحوي في باطنه دائما الحركات ولغة الجسد هي قراءة للمشهد الذي يعبر عن ما بداخلنا ولكن الجهل قد يعكس الصورة وقد لا يعرف الربط…

سمكو عمر لعلي إنّ ما يجري على أرض إيران لا يبدو في ظاهره سوى استعراضٍ للقوة، وعرضٍ للعضلات في مسرحٍ سياسيٍّ متشابك الخيوط، تتقاطع فيه المصالح وتتصادم الإرادات. غير أنّ المتأمّل في عمق المشهد يدرك أنّ الأرض ليست سوى ساحة، وأنّ الشعوب، ولا سيما الشعوب الإيرانية المضطهدة، هي التي تدفع كلفة الصراع، ظاهراً وباطناً. فخلف الأضواء الصاخبة، وحركة التصريحات المتبادلة،…

خوشناف سليمان أولًا. أتمنى وأرجو عودة جميع الأسرى إلى أهلهم سالمين. فانتظار الأمهات لا يحتمل التأجيل و وجع العائلات لا يقاس بلغة السياسة. لكن حين نتحدث عن اتفاقيات تبادل. لا يمكن أن نتجاهل الحقيقة المؤلمة. هناك آلاف المفقودين ومئات العائلات التي لا تعرف حتى الآن إن كان أبناؤها أحياء أم في عداد الشهداء. اليوم. بينما تخرج مظاهرات في القامشلي أمام…