استعراض قوة وخفايا

سمكو عمر لعلي

إنّ ما يجري على أرض إيران لا يبدو في ظاهره سوى استعراضٍ للقوة، وعرضٍ للعضلات في مسرحٍ سياسيٍّ متشابك الخيوط، تتقاطع فيه المصالح وتتصادم الإرادات. غير أنّ المتأمّل في عمق المشهد يدرك أنّ الأرض ليست سوى ساحة، وأنّ الشعوب، ولا سيما الشعوب الإيرانية المضطهدة، هي التي تدفع كلفة الصراع، ظاهراً وباطناً.
فخلف الأضواء الصاخبة، وحركة التصريحات المتبادلة، تقف قوى كبرى تراقب وتنتفع دون أن تنخرط مباشرةً في أتون المواجهة. فكلٌّ من الصين وروسيا تجنيان مكاسب اقتصادية واستراتيجية من استمرار التوتر، مستفيدتين من إعادة تشكيل الأسواق، وتحوّلات الطاقة، وسباق التسلّح، دون أن تتحمّلا تبعات المواجهة الميدانية المباشرة. إنهما تريان في الاضطراب فرصة، وفي العقوبات بوابةً لإعادة التموضع وبسط النفوذ.
في المقابل، تتصدّر الولايات المتحدة ومعها دول أوروبا واجهة المشهد، مستعرضةً قوتها السياسية والعسكرية، ومؤكدة حضورها الاستراتيجي في المنطقة. غير أنّ لهذا الحضور كلفته، التي كثيراً ما تُدار حساباتها في الخفاء، وتُوزّع أعباؤها على حلفاء وشركاء، وفي مقدّمتهم دول الخليج، حيث تُستنزف الخزائن في صفقات السلاح والتحالفات الأمنية، في سباقٍ لا يهدأ لاقتناء أحدث المنظومات الدفاعية وأشدّها تطورًا.
وهكذا، يصبح المنتصر الأول في هذا المشهد المعقّد هو نوعية السلاح المتقدّم؛ فالمصانع تدور، والعقود تُبرم، والتقنيات تُختبر في ميادين التوتر. أمّا الخاسر الأكبر فهو الإنسان البسيط، المواطن الإيراني الذي يجد نفسه عالقاً بين ضغوط الداخل وتعقيدات الخارج؛ يعاني وطأة العقوبات، وتقلّبات الاقتصاد، وانكماش فرص الحياة الكريمة. وبينما تتقاذف القوى الكبرى أوراق النفوذ، تبقى آمال الشعوب معلّقة بين رجاء الحرية وخشية المجهول.
إنّ السلطة في طهران تواجه تحدياتٍ مركّبة، بعضها نتاج سياساتها الداخلية، وبعضها نتيجة اشتباكها الطويل مع النظام الدولي. وفي خضمّ ذلك، تتسع الفجوة بين تطلعات الشعب واعتبارات السلطة، فتتراكم الأزمات وتتعاظم المطالب. وقد تُفضي الأيام القادمة إلى انكشاف خبايا كثيرة، وإعادة رسم خرائط النفوذ والتحالفات، إذ إنّ التاريخ علّمنا أنّ ما يُدار خلف الستار لا يبقى مستوراً إلى الأبد.
غير أنّ الأمل، مهما اشتدّ الظلام، يظلّ ممكنًا. فالشعوب، وإن طال صبرها، لا تموت فيها الرغبة في الحرية، ولا يخبو فيها توق الكرامة. ولعلّ التحوّلات المقبلة، مهما كانت قاسية، تحمل في طيّاتها فرصةً لإعادة الاعتبار لصوت الإنسان، ولتمكين الشعوب الإيرانية من نصيبٍ أوفر من الحرية والعدالة والعيش الكريم.
فالمنتصر الحقيقي، في نهاية المطاف، ليس من يربح صفقة سلاح، ولا من يوسّع دائرة نفوذه، بل من ينجح في صون كرامة الإنسان، ويمنح الشعوب حقها في أن تختار مصيرها بعيداً عن صخب الاستعراضات وخفايا المصالح.

هولير25/2/2026

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين لم يعد خافيا على احد مدى تفاقم أزمة الحركة السياسية الكردية السورية ، والقلق الذي يسود القطاعات الواسعة من النخب القومية ، والثقافية في مجتمعاتنا بالداخل والخارج جراء العجز عن إيجاد مخرج ، تعالج من خلاله جوانب الازمة ، وتتحقق خطوات إعادة البناء بالوسائل الديموقراطية ، وفي المقدمة العوامل الذاتية من طرح وإقرار المشروع البرنامجي ، واستعادة الشرعية…

نظام مير محمدي *   أثار حضور إسماعيل أحمدي مقدم ضمن وفد النظام الإيراني المفاوض في إسلام آباد جملة من التساؤلات الجوهرية، واستقطب اهتمام المحللين والمراقبين السياسيين. فبينما تُبنى الوفود الدبلوماسية عادة من وجوه تتقن لغة الحوار والبروتوكول، جاء إقحام هذه الشخصية الأمنية المثيرة للجدل ليعكس أولويات هيكلية السلطة في طهران، ويؤكد سيطرة العقلية القمعية على المشهد السياسي، حتى في…

عبد الجابر حبيب   هويةٌ مُفصَّلةٌ على مقاسهم: ثمّة لحظةً صغيرةً، حميمةً حدَّ الوجع، يكفي فيها أن ينظر الإنسان إلى اسمِهِ ليشعر أنّه موجودٌ، يتنفّس الحياة بكلّ ما فيها من جمال وهشاشة. الاسمُ ليس حروفاً تُرصّ على بطاقةٍ بلاستيكية، بل هو دفء الأم حين تنادي، وارتجاف الذاكرة، وهي تعود إلى أوّل الطريق، إلى تلك النقطة التي بدأ منها كلّ شيءٍ…

زيوا حسين السينو* لقد اعتدنا على التفكير في الأخلاق كصومعة مقدسة وهادئة، مكان نلجأ إليه لنعثر على أفضل نسخة من أنفسنا. نريد أن نصدق أن “الخير” ينتصر لمجرد أنه أكثر عطفاً، وعقلانية، وإنسانية. في مدارسنا وبيوتنا، نُعلَّم أن نتعامل مع القيم العليا مثل العدالة، والصدق، أو النجاح الشخصي كأنها نجوم باردة ونقية معلقة في سماء ليل صافية، ترشدنا بعيداً عن…