العزة القومية وحق الشعوب في تقرير مصيرها

خالد حسو

 

تُعبّر العزة القومية عن وعي جماعي بالهوية والوجود والحقوق التاريخية والثقافية لشعبٍ ما، وهي مفهوم سياسي وقانوني يرتكز على مبدأ الاعتراف المتبادل بين المكونات داخل الدولة الحديثة.

 ولا تُفهم العزة القومية بوصفها نزعة إقصائية أو مشروع هيمنة، بل باعتبارها تمسكًا مشروعًا بالكرامة الجماعية، ورفضًا لأي أشكال التهميش أو الإنكار، ضمن إطار يحترم التعددية والمساواة في الحقوق والواجبات.

يمثل الشعب الكوردي شعبًا أصيلًا وفاعلًا ضمن النسيج الاجتماعي والسياسي في المنطقة، ويُعدّ جماعة قومية ذات حضور تاريخي وثقافي ولغوي راسخ.

وتستند مطالبه القومية إلى حقه في الاعتراف الدستوري بهويته، وضمان مشاركته العادلة في مؤسسات الحكم، وحماية خصوصيته ضمن إطار الدولة.

إن هذه الحقوق لا تُعد امتيازات سياسية، بل استحقاقات ناتجة عن مبادئ المواطنة المتساوية وعدم التمييز، كما تكرّسها المعايير الدستورية الحديثة والمواثيق الدولية ذات الصلة.

ويُعدّ حق تقرير المصير من المبادئ الأساسية في القانون الدولي المعاصر، حيث نصّت عليه المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة، والمادة الأولى المشتركة في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966.

 ويعني هذا الحق تمكين الشعوب من تحديد وضعها السياسي بحرية، واختيار الإطار الدستوري الذي ينظم حياتها العامة عبر آليات ديمقراطية وسلمية، ودون إكراه أو فرض خارجي.

ولا يُفهم حق تقرير المصير حصريًا بمعنى الانفصال، بل يشمل ما يُعرف في الفقه الدولي بمفهوم تقرير المصير الداخلي، الذي يتيح خيارات سياسية ودستورية متعددة مثل الحكم الذاتي، أو الفيدرالية، أو اللامركزية الموسعة، أو أي صيغة يتم التوافق عليها سياسيًا ودستوريًا.

وبذلك يصبح هذا الحق آلية لتنظيم العلاقة بين المكونات والدولة، بما يعزز الاستقرار ويُرسّخ الشراكة السياسية القائمة على الإرادة الحرة.

إن المطالبة بالحقوق القومية وحق تقرير المصير ضمن الأطر السلمية والدستورية لا تتعارض مع مبدأ سيادة الدولة ولا مع مبدأ التعايش، بل تشكل مدخلًا لتعزيزهما عبر الاعتراف المتبادل بالحقوق وتوزيع السلطة والثروة بصورة عادلة. فالدولة التي تعترف بتعدد مكوناتها وتُؤسس لعقد اجتماعي يضمن تمثيلًا فعّالًا لجميع أطرافها، تكون أكثر قدرة على تحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي.

وعليه، فإن العزة القومية حين تُمارس في إطار القانون والآليات الديمقراطية تتحول إلى قوة تنظيمية تسعى إلى تحقيق المساواة والاعتراف، وترفض في الوقت ذاته الإقصاء أو العنف وسيلةً للتغيير. وتؤكد هذه الرؤية أن أي معالجة للحقوق القومية ينبغي أن تتم عبر مسارات دستورية وسلمية، وبما يحفظ وحدة الاستقرار العام ويضمن حقوق جميع المكونات دون استثناء …

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أمين شيخ كلين ياسادة الأفاضل: نتحدث عن الخيمة، والخيمة مسكن كوجري أو بدوي، يسهل بناؤه، وكذلك نقله في ساعات قليلة، وهي أفضل مسكن لمواجهة الزلازل مهما بلغت قوتها، فالأضرار فيها شبه معدومة. وللخيمة نماذج متعددة: المضافة، وخيمة العزاء، وخيمة الفرح، وخيمة العمال، وخيمة الخدم… ويذكرنا التاريخ بخيمة إبراهيم باشا الملي، التي كانت مقر قيادة الإمارة التي امتدت سلطتها من دير…

أكرم محمد يُمثل التناقض الجذري بين الفكر القومي الكردي التحرري (الكوردايتي) وبين التيار اليساري والشيوعي الكردي أحد أعمق الشروخ البنيوية التي أصابت جسد القضية الكردية طوال القرن الماضي وحتى يومنا هذا؛ حيث يرى الخطاب القومي التاريخي والمعاصر أن هذه الشريحة الآيديولوجية شكلت تاريخياً، وعبر أدوات ناعمة وخشنة، كابحاً حقيقياً وعائقاً وجودياً أمام تحقيق الطموح القومي الأسمى المتمثل في بناء دولة…

خالد حسو اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل بين الناس، بل هي وعاء الذاكرة الجماعية، وخزان التاريخ، والمرآة التي تعكس هوية الشعوب وثقافتها وحضارتها. فكل أمة تحافظ على لغتها إنما تحافظ على وجودها، لأن فقدان اللغة يعني فقدان جزء أساسي من الذاكرة والخصوصية والانتماء. تحتل اللغة الكوردية مكانة عميقة في وجدان الشعب الكوردي، فهي ليست فقط كلمات وجملاً نتبادلها، بل هي…

مهند محمود شوقي على مدى سنوات، اتجه اقتصاد إقليم كوردستان بصورة متزايدة نحو القطاع الخاص، الذي لعب دورًا مهمًا في تعويض النقص في الخدمات والاستثمار خلال مراحل مختلفة. إلا أن هذا التوسع، في بعض القطاعات، ترافق مع اختلالات في السوق، تمثلت في ارتفاع الأسعار، وضعف المنافسة، وظهور حالات احتكار أرهقت المواطن، خاصة في الخدمات الأساسية التي تمس حياته اليومية. منذ…