إلى أين تتجه البوصلة ؟

عبدالجابر حبيب

 

بين شعار الديمقراطية، وخصوصية الهوية:

بعد أن هدأت الزوبعة التي عصفت بكورد سوريا، وانكشفت أخطاء المرحلة، لم يعد ممكناً الاختباء خلف الشعارات أو تعليق الإخفاقات على شماعة الخارج وحده. لقد جاءت اللحظة التي وقف فيها الشارع الكوردي أمام مرآته، فرأى هشاشته كما رأى قوته، ورأى أن المصير حين يُترك في يد مجهولة، يتحول الوطن إلى سؤال مفتوح لا إجابة له.

حين تتوحد الكلمة:

في لحظات الخطر الوجودي، تسقط التفاصيل الصغيرة، وتعلو الكلمة الجامعة “الكورد”.

وهذا ما حدث بعد سلسلة الانتكاسات السياسية والعسكرية، وبعد شعور عام بأن الأيادي التي كان يُنتظر منها أن تمنع السكين، هي ذاتها التي حملته. لم يكن ذلك مفاجئاً لكثيرين؛ فالتاريخ القريب يعلّم أن التحالفات في الشرق الأوسط ليست عقوداً أخلاقية، بل ترتيبات مؤقتة تخضع لموازين القوة.

يكفي أن نتأمل ما جرى في تجارب أخرى كيف تُركت انتفاضات الكورد في العراق عام 1991 لمصيرها قبل أن تتغير الحسابات الدولية، أو كيف تداخلت المصالح الإقليمية في كل محطة مفصلية تخص الكورد في المنطقة. السياسة هنا ليست عاطفة، بل لعبة مصالح باردة.

لكن المفارقة أن أكثر من عقد من رفع شعار “أخوة الشعوب” خلق توقعاً أخلاقياً عالياً، جعل الصدمة أكبر حين ظهر أن بعض الحلفاء كانوا ينتظرون اللحظة المناسبة لإعادة ترتيب النفوذ. وكأن المثل الشعبي “تمسكن حتى تمكن” تحول إلى توصيف دقيق لمرحلة كاملة.

بين مراجعة الأخطاء وتدوير الفشل:

السؤال الذي يفرض نفسه: هل تجرؤ القيادات التي أدارت المرحلة السابقة على مراجعة أخطائها القاتلة؟ أم أن تدوير الأسماء والوجوه، تحت عناوين إصلاحية فضفاضة، سيكون سيد الموقف؟

تجارب الشعوب تشير إلى أن أي إدارة لا تعترف بأخطائها تتحول إلى عبء على قضيتها. في التاريخ السياسي الحديث، لم يكن الإصلاح الحقيقي يوماً قراراً تجميلياً، وإنما قطيعة كلية مع نمط تفكير سابق.

أما إعادة إنتاج النموذج ذاته مع تغيير المصطلحات، فهو إرجاء للأزمة لا حل لها.

حين يقال إن أبواب الإصلاح فُتحت، فإن معيار الصدق ليس التصريحات فقط، بل هو الشفافية والمشاركة وتوزيع القرار. أما إذا بقي القرار محصوراً في الدائرة ذاتها، فإن الحافلة التي يفترض أن تقلّ الجميع إلى بر الأمان ستبقى عالقة في الطريق، تعرقلها العصي من الداخل قبل الخارج.

كلمة “الكورد”… عقدة أم بوصلة؟

من أكثر المفارقات إثارة للتأمل أن بعض القوى التي تؤكد حرصها على “مصلحة الكورد”، تتجنب لفظ كلمة “الكورد” بصفتها السياسية الواضحة، وكأنها عبء أو تهمة.

في المقابل، هناك تيار يطالب صراحة بأن تكون المصلحة الكوردية أولوية، دون التفاف لغوي أو شعارات عابرة للهوية.

هنا تكمن الإشكالية: هل الهوية القومية عقبة أمام الديمقراطية؟

أم أن الاعتراف بالهوية هو المدخل الطبيعي لبناء شراكة حقيقية؟

التجربة العراقية بعد 2003 تقدم مثالاً دالاً؛ فإقليم كوردستان لم يُلغِ هويته القومية كي يكون جزءاً من الدولة الاتحادية، بل اعترف بها دستورياً. وفي المقابل، هناك نماذج أخرى في المنطقة حاولت تذويب الهويات باسم الشعارات العامة، فكانت النتيجة توتراً دائماً وشعوراً بالإقصاء.

كالتجربة الأمازيغية في المغرب

في دستور 2011، تم الاعتراف بالأمازيغية لغةً رسمية إلى جانب العربية. لم يكن ذلك مجرد خطوة رمزية؛ بل كان تحوّلاً في فلسفة إدارة التنوع.

النتيجة؟

وانخفض منسوب التوتر المرتبط بالهوية، وأصبح النقاش ينتقل من سؤال “هل نعترف؟” إلى “كيف نفعّل الاعتراف؟”.

فالديمقراطية لا تعني محو الخصوصيات، بل تنظيمها ضمن عقد سياسي واضح. أما تجاهل الخصوصية بحجة الشراكة، فهو يزرع بذرة صراع مؤجل.

الماء والنار… هل يجتمعان؟

المشهد الحالي يبدو وكأنه محاولة للجمع بين الماء والنار.

طرف يوجه بوصلته نحو الجنوب، وآخر نحو الشمال، بينما الشعب الكوردي يريد لقاءهما على مائدة واحدة.

الطرف الذي يدعو إلى كيان كوردي، ولو بصيغة حكم ذاتي أو إدارة محلية ذات خصوصية كوردية واضحة، يرى أن أي شراكة حقيقية تبدأ من الاعتراف بالبيت الكوردي أولاً.

أما الطرف الآخر، فيطرح نموذج إدارة ديمقراطية مشتركة، دون صبغة قومية غالبة، ويخشى أن يؤدي إبراز الهوية الكوردية إلى عزلة أو صدامات إقليمية.

الطرفان يعلنان حب السلام، ويؤكدان الحرص على التعايش مع بقية المكونات، لكن الخلاف ليس في الهدف المعلن، بل في تعريف نقطة البداية.

هل يبدأ البناء من الاعتراف بالخصوصية، ثم الانفتاح على الشراكة؟ أم من الشراكة المجردة، ثم ترك الهوية تتوارى في الخلفية؟

سفينة تتأرجح بين تيارين

بين هذين التيارين تتأرجح سفينة كورد سوريا.

الشعب لا يملك ضريبة الانتظار الطويل، ولا يحتمل مغامرات غير محسوبة. المنطقة كلها تعيش إعادة تشكل عميقة؛ من التحولات الإقليمية إلى إعادة رسم التوازنات الدولية. وأي خطأ استراتيجي جديد قد يكون ثمنه مضاعفاً.

الواقعية السياسية تقتضي الاعتراف بأن تحقيق أي مشروع كوردي في سوريا لن يكون ممكناً في عزلة عن بقية المكونات، كما أنه لن يكون مستقراً إذا شعر الكورد أن هويتهم مجرد تفصيل ثانوي.

المعادلة الصعبة ليست في اختيار الماء أو النار، بل في إيجاد صيغة لا يحترق فيها أحد ولا يغرق.

أين ستقف الحافلة؟

الحافلة تسير في طريق مليء بالحفر.

الجميع يعلن أنه يريد وصولها إلى بر الأمان، لكن الطريق يزداد وعورة كلما تباينت البوصلات.

السؤال الجوهري ليس: من يملك الشعار الأجمل؟

وإنما من يملك الشجاعة لمراجعة الذات، والمرونة للاعتراف بالآخر، والوضوح في تعريف الهدف؟

إن لم تُحسم العلاقة بين الهوية الكوردية ومفهوم الديمقراطية المشتركة بحوار صريح وشراكة حقيقية، فستبقى السفينة تتأرجح، وسيبقى السؤال معلقاً في جوف العتمة:

هل يكون الكورد أولاً، و ليكون الجميع معهم في البيت الكوردي؟

أم يُطلب منهم أن يذوبوا في الكل، قبل أن يُعترف لهم بجزء من خصوصيتهم؟

وحتى تتضح الإجابة، سيبقى المصير معلقاً بين إرادتين، وبين خوفين، وبين أمل شعب يريد أن يصل أخيراً إلى شاطئ لا تُدار فيه البوصلة ضده.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان من المؤسف أن يظهر بيننا اليوم بعض الكتبة حديثي العهد ممن يتعاملون مع تاريخ الكتابة والإبداع الكوردي وكأنه بدأ معهم، فيسارعون إلى التشكيك في إنتاج كتاب ومفكرين وأكاديميين كورد، وكأن ما سبقهم لم يكن موجوداً، أو كأن الكتابة لم تكن لها أثمانها في زمن لم تكن فيه وسائل التواصل الاجتماعي، ولا الذكاء الاصطناعي، ولا تلك المساحات…

علي جزيري يُضفي الموقعان الفلكي والجغرافي أهمية جيوبولوتيكية على بلاد الكرد؛ وتضفي مساحتها التي تناهز مساحة فرنسا القارية، وتركيبها الجيولوجي، ووقوعها في قلب الشرق الأوسط أهمية استراتيجية بالغة، ولاسيما أنها تطفو على بحر من النفط والغاز، وكانت تمرُّ فيها قديماً طرق (الحرير البرية القادمة من الصين، والتوابل من الهند، والبخور من شبه الجزيرة العربية متجهة نحو البحر المتوسط وأوروبا)، إضافة…

عمر كوجري / رئيس تحرير صحيفة كوردستان تأسس حزب العمال الكردستاني عام 1978 من قبل مجموعة من المثقفين الكورد والأتراك، وكان هدفه الأساسي والرئيسي وقتذاك (تحرير وتوحيد كوردستان) ولأنه جاء، وتأسس بهدف دسم وقوي، فقد استطاع أن يكوّن أرضية قوية وصلبة من المؤيدين، وخاصة فئة الشباب آنذاك استفاد الحزب بطبيعة الحال من الوضع السياسي غير المستقر والمتأزم للحركة السياسية الكوردية…

كۆهدرز تمر إن مصائر الشعوب، ودماء أبنائها، وقضاياها الوطنية ليست مجرد حقول تجارب للأفراد أو الأحزاب أو التنظيمات؛ بل هي أمانة تاريخية كبرى تثقل كواهلهم. لذا، واستناداً إلى الأعراف السياسية والأخلاقية، نرى لزاماً على القيادات التي تفشل في تحقيق طموحات شعوبها وأنصارها أن تتحلى بجرأة الاستقالة والاعتذار أمام الشعب والتاريخ. إن جرَّ شعبٍ بأكمله لعقود من الزمن تحت بريق…