مؤتمر ميونخ للأمن وإعادة تموضع القضية الكوردية السورية في معادلات الأمن الدولي

سرحان عيسى

في لحظةٍ مفصلية من تاريخ النظام الدولي، تتسم بتراجع المسلّمات التي حكمت العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ينعقد مؤتمر ميونخ للأمن ليعكس حجم التحولات العميقة في بنية النظام العالمي. لم يعد النقاش الدولي يدور فقط حول إدارة الأزمات أو احتواء النزاعات الإقليمية، بل بات يتمحور حول شكل النظام الدولي ذاته: من يقوده؟ وعلى أي قواعد يقوم؟ وكيف تُوزع الأعباء والمسؤوليات بين القوى الكبرى والمتوسطة؟

تأتي هذه الدورة “٦٢ ” 2026 في ظل بيئة استراتيجية شديدة الاضطراب؛ حرب مستمرة في أوكرانيا تعيد رسم خرائط الأمن الأوروبي، وتصاعد التنافس الجيوسياسي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وتآكل الثقة في مؤسسات النظام متعدد الأطراف، إضافة إلى تنامي استخدام أدوات القوة الاقتصادية والتكنولوجية كسلاح في الصراعات الدولية. وفي موازاة ذلك، تشهد العديد من الديمقراطيات الغربية تحولات داخلية تعكس حالة من السخط الشعبي، وهو ما ينعكس بدوره على السياسات الخارجية والتزامات التحالفات الدولية.

ضمن هذا السياق الدولي المعقد، برزت المشاركة السورية المتعددة في المؤتمر، حيث شارك وزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد الشيباني، إلى جانب مشاركة الجنرال مظلوم عبدي ممثلاً لقوات سوريا الديموقراطية، في مؤشرٍ واضح على عودة الملف السوري إلى واجهة النقاشات الدولية المتعلقة بالأمن والاستقرار الإقليمي.

أولاً: الحضور الكوردي وإعادة تعريف الفاعلين

تعكس مشاركة الجنرال مظلوم عبدي تحولاً في النظرة الدولية إلى الفاعلين المحليين حيث لم يعد دورهم مقتصراً على البعد العسكري أو الأمني المحلي، بل أصبحوا جزءاً من النقاش العالمي حول الاستقرار، ومكافحة الإرهاب، وإدارة النزاعات. هذا الحضور منح القضية الكوردية السورية بعداً دولياً جديداً، وكرّس الاعتراف بالدور الذي لعبته قوات سوريا الديموقراطية في محاربة الإرهاب وتعزيز الاستقرار النسبي في مناطق واسعة من سوريا.

ثانياً: أثر المشاركة على القضية الكوردية في سوريا

يمكن قراءة التأثير الإيجابي لهذه المشاركة من عدة زوايا:

  1. تعزيز الحضور السياسي الدولي

المشاركة في منصة دولية رفيعة المستوى تعني انتقال القضية الكوردية من “العسكرة” و هامش السياسة الدولية إلى فضاء النقاش الاستراتيجي، ما يمنحها ثقلاً سياسياً أكبر في أي ترتيبات مستقبلية تخص سوريا.

  1. إبراز الدور في مكافحة الإرهاب والاستقرار

أعادت المشاركة التأكيد على أن هذه القوات كانت شريكاً أساسياً في مواجهة التنظيمات المتطرفة، وهو ما يتقاطع مع أولويات الأمن الدولي في المرحلة الراهنة.

  1. توسيع قنوات الحوار الدولي

أتاحت المشاركة توسيع دائرة التواصل مع القوى الدولية، بما يعزز فرص إدماج المكوّن الكوردي في أي مسار سياسي مستقبلي لحل الأزمة السورية.

ثالثاً: دلالات المشاركة السورية الرسمية

مشاركة وزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد الشيباني حملت بدورها رسائل سياسية مهمة، أبرزها:

  • سعي دمشق لإعادة الانخراط في النقاشات الدولية حول الأمن والاستقرار.
  • محاولة إعادة تموضع سوريا ضمن التحولات الجارية في النظام الدولي.
  • تأكيد أن الملف السوري لا يزال جزءاً من معادلات الأمن الإقليمي والدولي.

رابعاً: الانعكاس على الوضع السوري العام

لم تكن المشاركة السورية بمختلف أطرافها مجرد حضور بروتوكولي، بل عكست جملة من الحقائق:

  • أن الاستقرار في سوريا لا يمكن تحقيقه دون معالجة جذور الأزمة السياسية.
  • أن محاربة الإرهاب وحدها لا تكفي دون بناء إطار سياسي شامل.
  • أن أي حل مستقبلي يحتاج إلى مقاربة واقعية تأخذ بعين الاعتبار توازنات الداخل وتحولات الخارج.

خامساً: ضرورة توحيد الصف الكوردي وتفعيل مخرجات مؤتمر وحدة الموقف

في خضم التحولات الدولية المتسارعة، لم يعد كافياً الاكتفاء بتسجيل الحضور السياسي، بل باتت الضرورة تفرض الانتقال إلى مرحلة الفعل الاستراتيجي الكوردي الموحّد. إن تنفيذ وتطبيق مخرجات كونفرانس وحدة الصف والكلمة الكردية المنعقد في 26 نيسان 2025 لم يعد خياراً سياسياً، بل استحقاقاً وطنياً تفرضه دقة المرحلة وتعقيداتها. فتعزيز وحدة الصف الكوردي يشكّل الركيزة الأساسية لصون المكتسبات السياسية،  وتحويل الحضور الدولي إلى قوة تفاوضية فاعلة في رسم مستقبل سوريا. كما تتطلب المرحلة الراهنة بلورة مرجعية كوردية سورية جامعة تعبّر عن مجمل كورد سوريا، وتعمل على توحيد الرؤية السياسية، وتنظيم الخطاب، وتنسيق المواقف في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية، بما يضمن تمثيلاً حقيقياً ومتوازناً للقضية الكوردية ضمن أي مسار سياسي قادم.

في هذا الإطار، تبرز القضية السورية — بما فيها المسألة الكوردية — كجزء من اختبار أوسع لقدرة النظام الدولي على إدارة الأزمات المركبة، حيث تتداخل الجغرافيا السياسية مع قضايا الإرهاب، والهجرة، وإعادة الإعمار، والتوازنات الإقليمية.

إن مشاركة الجنرال مظلوم عبدي إلى جانب الحضور السوري الرسمي في مؤتمر ميونخ للأمن تعكس عودة سوريا، بكل تعقيداتها، إلى ساحة النقاش الدولي الاستراتيجي. كما تؤكد أن التحولات الجارية في النظام الدولي قد تفتح نوافذ جديدة أمام القضايا العالقة، وفي مقدمتها القضية الكوردية في سوريا، التي باتت أكثر حضوراً في معادلات الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد حسو “Mirov ku ji şîrê dev şewitî, pifê dewê jî dike.” (من احترق فمه من الحليب، ينفخ على اللبن أيضًا) يعبر هذا المثل الكوردي عن معنى يتجاوز دلالته اللغوية المباشرة، ليصل إلى توصيف سلوك سياسي واجتماعي تشكّل عبر تجارب تاريخية متراكمة. فالمجتمعات التي تمرّ بظروف صادمة أو خيبات متكررة تميل إلى تطوير نمط من الحذر الاستراتيجي، قد يبدو أحيانًا…

نظام مير محمدي *   ليس من السهل أن يُقال إن إيران بلغت “منعطفاً تاريخياً” ثم يُترك التعبير معلّقاً في الهواء. لكن ما طُرح في مؤتمر باريس يوم ٥ آذار/مارس ٢٠٢٦ يقدّم محاولة مختلفة: تحويل عبارة “البديل” من توصيف سياسي عام إلى برنامج انتقال مُفصّل، يتعامل مع سؤال اليوم التالي بقدر ما يتعامل مع سؤال إسقاط نظام ولاية الفقيه. فالمؤتمر،…

د. محمود عباس بعد سؤال المرجعية في الحلقة الأولى، وسؤال طبيعة المرحلة في الحلقة الثانية، يبرز سؤال أكثر إلحاحًا، إذا كان الصراع بين أطراف المشهد الكوردي في غربي كوردستان لا ينتج حسمًا، ولا يحقق غلبة نهائية لأي طرف، فلماذا يستمر؟ بل لماذا يتصاعد أحيانًا في لحظات يكون فيها الهدوء أكثر فائدة للجميع؟ لفهم ذلك، لا بد من الانتقال من مستوى…

اكرم حسين يعيد السيد صلاح بدرالدين في مقاله «السبيل لتوحيد الحركة الكردية السورية» طرح فكرة بات يكررها منذ سنوات، وهي الدعوة إلى عقد « مؤتمر كردي سوري جامع» يكون منطلقاً لإعادة بناء الحركة الكردية. غير أن هذه الفكرة، على جاذبيتها الظاهرية، تبدو أقرب إلى الرغبة منها إلى التطبيق الواقعي، لأنها تتجاهل طبيعة الوقائع السياسية والتنظيمية التي تحكم الساحة الكردية السورية….