بين الإخفاق والتجديد: ضرورة إعادة التقييم السياسي

مسلم شيخ حسن – كوباني 

من هم الذين لم يخطئوا يوماً ؟ إنهم الموتى وحدهم. أما الأحياء، الساعون إلى العمل والتأثير وتشكيل المستقبل فلا بد أن يواجهوا عثرات وأن يختبروا الفشل بقدر ما يختبرون النجاح. فالخطأ ليس نقيض العمل بل هو قرينه الطبيعي. لا يلام من يفشل في النضال بقدر من يصر على ارتكاب الأخطاء ويرفض التعلم منها.

إن السعي لتحقيق الأهداف الكبرى هو تعبير صادق عن حيوية الروح الإنسانية. فكل مشروع سياسي أو اجتماعي أو ثقافي يبدأ بحلم ويتغذى بإرادة التغيير ويستند إلى خطة يفترض أن تكون سليمة ومدروسة جيداً . مع ذلك، فإن الطموحات مهما علت، قد تخيب حين لا يكون هناك تقييم دقيق للحقائق أو حين تهمل الجوانب الفنية والتنظيمية أو حين يساء تقدير موازين القوى والتحولات المحيطة. وعلى النقيض من ذلك، عندما تقترن الرؤية بالتخطيط وتتوفر وسائل تنفيذها يصبح النجاح نتيجة طبيعية للجهد الواعي والمسؤول.

مع ذلك، عند حدوث الفشل لا ينبغي إنكاره أو تبريره بل يجب تقييمه بعمق ومسؤولية. إن إعادة تقييم التجربة ليست ترفاً فكرياً بل ضرورة سياسية وأخلاقية. إن تجاهل أسباب الفشل لا يؤدي إلا إلى تكراره ويغرق المشروع في دوامة من الأخطاء المتراكمة التي تزيد الوضع تعقيداً وتضعف الثقة في القيادة والنهج. النقد الذاتي الصريح هو الخطوة الأولى نحو تصحيح المسار وهو دليل على القوة لا الضعف.

إن الإخفاقات التي تعيق العمل العام ليست دائماً نتيجة نوايا سيئة بل قد تنشأ عن سوء تقدير أو فهم قاصر للواقع أو نقص في الموارد أو الاعتماد على حسابات غير مبنية على أسس متينة. لذلك، فإن استحضار التجربة بكل تفاصيلها وتحليل ظروفها الموضوعية والذاتية يعد نقطة انطلاق ضرورية لبناء مشروع أكثر تماسكاً واستدامة.

في هذا السياق، ليس من الخطأ أن تعيد الحركة الكردية في سوريا تقييم سياساتها وخياراتها خلال السنوات الماضية بل على العكس، من الخطأ الفادح رفض ذلك. فقد كشفت التطورات المتسارعة في سوريا أن قراءة الأحداث لم تكن دائماً صائبة وأن بعض الرهانات السياسية لم تستند إلى تقييم واقعي للتحولات الداخلية والإقليمية والدولية. وقد أثر ذلك سلباً على مسار الحركة وأدى إلى انتكاس العديد من مشاريعها نتيجةً للفجوة بين الأهداف والواقع وبين الرؤية النظرية والتعقيدات على أرض الواقع.

تتطلب المرحلة الراهنة تقييماً سريعاً وشاملاً للوضع السياسي الكردي في سوريا. ولا ينبغي لهذا التقييم أن يقتصر على تفسير الإخفاقات فحسب بل يجب أن يسعى ايضاً إلى البحث عن أسبابها الجذرية وبناء رؤية جديدة أكثر واقعية وتوازناً . ويجب أن تنبثق هذه الرؤية من قراءة صحيحة لموازين القوى وتقييم أفضل للظروف المتغيرة وإعادة تعريف الأولويات بما يتماشى مع مصالح الشعب الكردي في إطار الوحدة الوطنية السورية.

السياسة ليست طريقاً مستقيماً بل هي عملية تراكمية قائمة على الخبرة والتصحيح. وحدها الحركات التي تتحلى بالشجاعة للاعتراف بأخطائها وإعادة صياغة مشاريعها قادرة على تحويل الفشل إلى فرصة والنكسات إلى نقطة انطلاق جديدة. لذا، لم يعد التقييم اليوم خياراً ثانوياً بل شرطاً اساسياً للانتقال من حالة التخبط إلى حالة العمل الواعي ومن رد الفعل إلى مبادرات استباقية ومدروسة جيداً.

إن المستقبل لا يبنى بالأمنيات بل بالوعي والنقد والمسؤولية. وكل تجربة لا تخضع للمراجعة محكومة بالتكرار، أما التجربة التي تتعلم من أخطائها فهي وحدها التي تمتلك فرصة حقيقية لصناعة نجاح أكثر رسوخاً واستدامة.

 

12 / 2 / 2026

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

قامشلو – ولاتي مه : 6 نيسان 2026 برزت إلى العلن مؤشرات على وجود خلافات داخل قيادة حزب يكيتي الكردستاني – سوريا، عقب صدور بيانين متتاليين ومنسوبين إلى اللجنة المركزية للحزب، تضمّنا مواقف متباينة بشأن الأوضاع التنظيمية، ما أثار تساؤلات حول احتمال حدوث انقسام داخلي في الحزب. ففي 5 نيسان، أصدرت اللجنة المركزية بياناً عقب اجتماعها الاعتيادي، تناول جملة من…

شادي حاجي أزمة السياسة الكردية لم تعد عرضاً جانبياً ، بل صيرورة بنيوية . لم يعد السؤال مجرد اعتراف بالقضية ، بل قدرة من يدّعون تمثيل الشعب الكردي على الارتقاء بها . الواقع واضح : أحزاب متنافرة، برامج غامضة، وصراعات شخصية تحلّ محل المشروع القومي والوطني العام . الفرصة التاريخية التي جاءت مع الحرب السورية ذهبت أدراج الرياح بسبب…

خالد حسو وأنا أترقّب هذه العودة، يملأني أملٌ صامت بأن يأتي يومٌ أعود فيه أنا أيضًا، بعد فراقٍ طال حتى أثقلته السنوات، وامتدّ لأكثر من أربعة عقود من الزمن. أربعون عامًا وما يزيد، لم تكن مجرد غيابٍ عابر، بل مسافةً كاملة بين الإنسان وذاكرته، بين الروح ومكانها الأول، وبين القلب وما ظلّ ينتمي إليه رغم كل شيء. كان هذا البعد…

سمكو عمر لعلي يقولون إنّ بعض الظنّ إثم، غير أنّ ما نشهده اليوم يدفع المرء إلى التأمّل العميق، بل وإلى طرح الأسئلة التي طالما حاولنا تجاهلها أو تأجيلها. لقد قلناها مراراً وتكراراً: إنّ الانشقاقات التي عصفت بصفوف الأحزاب الكوردية لم تكن يوماً وليدة الصدفة، بل كانت – في كثير من مراحلها – صنيعة أنظمةٍ معادية، وفي مقدّمتها نظام حزب البعث…