رفع العلم الكوردستاني في غرب كورستان بين الشرعية القانونية والحق القومي للكورد

شـــــريف علي

نتناول في هذه الدراسة الإشكالية القانونية والسياسية المتعلقة برفع العلم الكوردستاني  في غرب كوردستان ، الرمز الذي يعبر عن هوية ما يزيد عن خمسين مليون كوردي، من خلال تحليل منظومات قانونية قائمة ومتداخلة: الإعلان الدستوري السوري لعام 2025 ، والقانون الدولي لحقوق الإنسان. إلى جانب العقد الإجتماعي للإدارة الذاتية ،وتخلص الدراسة إلى أن التوتر بين الشرعية القانونية للدولة السورية والحق القومي للكورد يعكس صراعًا بين مفهوم الدولة المركزية ومبدأ الاعتراف بالتنوع القومي. و أن رفع العلم الكوردستاني ، رغم حضوره الرمزي والثقافي في المجتمع الكوردي ، محظور رسميًا من جانب الإدارة الذاتية القائمة، التي تعتمد علمًا خاصًا بها وتمنع استخدام أي أعلام أخرى في المؤسسات الرسمية، بما في ذلك العلم الكوردستاني، وهو ما يضيف بُعدًا جديدًا للتعقيد القانوني والسياسي في هذه المسألة.

تنص المادة :6 من الإعلان الدستوري السوري لعام 2025 على أن العلم السوري هو العلم الرسمي الوحيد للدولة، ما يعني عدم السماح بأي علم آخر في الفضاء العام أو المؤسسات الرسمية. ويُعدّ احترام العلم السوري واجبًا قانونيًا، ويُنظر إلى أي رمز بديل على أنه مساس بالسيادة الوطنية.

 بينما ينص البند االثالث من المادة:7 “تكفل الدولة التنوع الثقافي للمجتمع السوري بجميع مكوناته والحقوق الثقافية واللغوية لجميع السوريين”. ووفقًا لذلك، فإن رفع أي علم غير العلم السوري في المؤسسات العامة يُعدّ مخالفة قانونية، وقد يُفسَّر رفع العلم الكوردستاني على أنه مظهر انفصالي يندرج ضمن الجرائم الماسة بأمن الدولة. وتستند هذه المقاربة إلى فلسفة الدولة المركزية التي تعتبر الرموز الموحدة جزءًا من وحدة البلاد وهويتها السياسية. ومن منظور القانون السوري وحده، فإن رفع العلم الكوردستاني غير شرعي، لكونه يتعارض مع النصوص الدستورية المتعلقة بوحدة الدولة ورمزيتها الرسمية، بغض النظر عن قيمته الثقافية أو القومية لدى الكورد.

يُظهر الجدل حول رفع العلم الكوردستاني تباينًا واضحًا بين الشرعية القانونية و الشرعية السياسية. فمن منظور الشرعية القانونية، تُعدّ الرموز الرسمية للدولة محكومة بنصوص دستورية ملزمة، وهو ما يجعل رفع أي علم غير العلم السوري خارج إطار المؤسسات الرسمية مخالفًا للقانون. غير أنّ الشرعية السياسية تختلف بطبيعتها، إذ تستند إلى القبول الاجتماعي والاعتراف الجمعي بالرموز التي تعبّر عن هوية مكوّنات المجتمع. وفي هذا السياق، يحظى العلم الكوردستاني بشرعية سياسية قوية داخل المجتمع الكوردي، الذي يعتبره رمزًا تاريخيًا لهويته القومية. وتزداد أهمية هذا البعد السياسي في ضوء ما يقرّه الإعلان الدستوري السوري لعام 2025 والمرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026 من حماية للهوية الثقافية والقومية لجميع السوريين، بما في ذلك حقهم في التعبير عن رموزهم الثقافية. وهكذا، يتجلى التوتر بين الشرعية القانونية التي تقيّد استخدام الرموز غير الرسمية، والشرعية السياسية التي تمنح العلم الكوردستاني مكانته بوصفه تعبيرًا مشروعًا عن هوية قومية راسخة.

الإدارة الذاتية ، ورغم أنها تُعدّ نموذجًا سياسيًا مختلفًا عن الدولة السورية، فإنها تعتمد علمًا رسميًا خاصًا بها، وتمنع استخدام أي أعلام أخرى في المؤسسات الرسمية، بما في ذلك العلم الكوردستاني. ويُعدّ هذا المنع جزءًا من سياسة تهدف إلى ترسيخ هوية سياسية موحدة للإدارة الذاتية لإضفاء الصبغة اللاقومية على تموذجها المعتمد في الإدارة ،أو كما تسميها ( أخوة الشعوب)، بعيدًا عن الرموز القومية التقليدية. ورغم أن العلم الكوردستاني يُعدّ رمزًا ثقافيًا وقوميًا للكورد، فإن الإدارة الذاتية لا تعترف به كرمز رسمي، وتفرض قيودًا على رفعه في المؤسسات الحكومية،وحتى في المناسبات الاجتماعية أو الثقافية غير الرسمية. وهذا يعني أن رفع العلم الكوردستاني محظور قانونيًا داخل مؤسسات الإدارة الذاتية ، حتى وإن كان مقبولًا اجتماعيًا في بعض السياقات. ويكشف هذا التناقض بين الهوية القومية الكوردية والسياسات الرسمية للإدارة الذاتية عن صراع داخلي بين البعد القومي والبعد السياسي الإداري، حيث تسعى الإدارة إلى بناء هوية سياسية جديدة تتجاوز الرموز القومية التقليدية.

القانون الدولي لحقوق الإنسان يمنح  القوميات حتى ضمن الدول المركزية حقوقًا واضحة في التعبير عن هويتها الثقافية، بما في ذلك استخدام الرموز القومية غير الرسمية. فالمواثيق الدولية، مثل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، تؤكد حق  المكونات القومية في التعبير عن هويتها واستخدام رموزها الثقافية والاحتفال بتراثها القومي. ويحظر القانون الدولي أي تقييد غير مبرر لحقوقها في التعبير عن هويتها، ما لم يشكل ذلك تهديدًا مباشرًا للأمن العام. كما يميز القانون الدولي بين الرموز القومية الثقافية المشروعة والرموز السياسية الانفصالية التي قد تخضع لقيود. ويُعدّ العلم الكوردستاني، في سياقه التاريخي والثقافي، رمزًا قوميًّا أكثر منه سياسيًا، ما يجعله داخل نطاق الحقوق الثقافية المشروعة للكورد، طالما لا يُستخدم لإعلان الانفصال أو تقويض وحدة الدولة. وبناءً عليه، فإن رفعه في سياقات ثقافية أو اجتماعية يدخل ضمن نطاق الحقوق المشمولة بالحماية الدولية، ولا يُعدّ مساسًا بوحدة الدولة ،هذا التمييز الجوهري يفرض على السلطات الوطنية تقديم مبررات قانونية قوية لأي قيود تُفرض على استخدام الرموز الثقافية ، بما ينسجم مع التزاماتها الدولية ،و حتى تكون متوافقة مع المعايير الدولية.

ومن خلال المقارنة بين المنظومات القانونية ،وحيث الدولة السورية تعتمد مفهوم الدولة المركزية، ما يجعل أي رمز غير رسمي محل رفض، بينما تحظر الإدارة الذاتية رفع العلم الكوردستاني في مؤسساتها رغم تبنيها خطاب التعددية، في محاولة لبناء هوية سياسية مستقلة عن الرموز القومية التقليدية. في المقابل، يوازن القانون الدولي بين وحدة الدولة وحقوق المكونات المختلفة، ويرجّح حماية الهوية القومية والثقافية. ويكشف هذا التباين عن اختلاف جوهري في الفلسفة القانونية والسياسية بين هذه المنظومات، وعن الحاجة إلى مقاربة قانونية أكثر مرونة تعترف بالتنوع القومي وتضمن حقوق المكونات ضمن إطار الدولة أو الإدارة السياسية.

أن مسألة رفع العلم الكوردستاني في غرب كوردستان ليست مجرد خلاف قانوني، بل هي تعبير عن صراع أعمق بين مفهوم الدولة القومية المركزية ومفهوم التعددية القومية وحق الشعوب في التعبير عن هويتها. ومن منظور القانون السوري، رفع العلم غير شرعي رغم أن الإعلان الدستوري السوري لعام 2025 ، والمرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026 يقران بحماية الهوية الثقافية لكل السوريين . ومن منظور الإدارة الذاتية، هو محظور رسميًا رغم قبوله اجتماعيًا وبقوة . ومن منظور القانون الدولي، هو حق قومي مشروع للكورد، ما دام لا يتعارض مع السلم الأهلي أو وحدة الدولة.

على ضوء ذلك يمكن الإشارة إلى توصيات قد تسهم في تخفيف التوتر القانوني والسياسي المحيط بالموضوع، وتعزيز بيئة أكثر احترامًا للتنوع القومي في سياق بناء سورية جديدة.

 – ضرورة مراجعة التشريعات الوطنية السورية بما ينسجم مع المعايير الدولية لحقوق المكونات القومية، من خلال الاعتراف بالرموز الثقافية غير الرسمية، والسماح باستخدامها في السياقات الاجتماعية والثقافية والسياسية، بما لا يمسّ وحدة الدولة أو سيادتها.

– على الإدارة الذاتية التخلي عن سياساتها الرمزية، ولا سيما حظر رفع العلم الكوردستاني في غرب كوردستان ، بما يحقق توازنًا بين بناء هوية سياسية جامعة وبين احترام الرموز القومية التي تشكل جزءًا أصيلًا من الوجدان الجمعي للكورد.

– تعزيز الحوار بين المكونات السياسية والاجتماعية في غرب كوردستان حول الرموز المشتركة، بما يساهم في بناء توافقات محلية تقلل من التوترات المرتبطة بالهوية، وتمنع تحويل الرموز الثقافية إلى أدوات صراع سياسي.

– تشجيع المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان على متابعة التكوين القومي في سوريا، وتقديم الدعم الفني والقانوني لضمان توافق السياسات المحلية مع المعايير الدولية، ولا سيما فيما يتعلق بحرية التعبير الثقافي.

–  ضرورة إدماج موضوع الرموز القومية وفي مقدمتها العلم الكوردستاني ،في النقاشات المستقبلية حول الحل السياسي في سوريا، باعتباره جزءًا من معالجة المسألة القومية والهوية الثقافية ، وبما يضمن الاعتراف بالتنوع الثقافي ضمن إطار دولة موحدة.

أخيرا أن احترام الرموز القومية، بما فيها العلم الكوردستاني، لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه تهديدًا سياسيًا، بل بوصفه تعبيرًا طبيعيًا عن هوية جماعية، يمكن تنظيمه قانونيًا دون المساس بوحدة الدولة أو استقرارها. إن تبني مقاربة قانونية مرنة وشاملة من شأنه أن يسهم في تعزيز السلم الأهلي، وترسيخ قيم التعددية، وبناء نموذج سياسي أكثر استجابة لواقع التنوع القومي في سوري،وفي ذات الوقت نأمل من الخبراء والمستشارين القانونيين البحث والعمل على هذا الموضوع وتعزيزه ،على طريق إقراره دستوريا.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

المحامي عبدالرحمن محمد مقدمة القضية الكوردية في غرب كوردستان وسوريا هي قضية سياسية وحقوقية بامتياز، وليست مسألة داخلية أو موضوعا متعلقا بالجنسية أو أقلية لغوية أو ثقافية. إنها قضية شعب أصيل محروم من ممارسة حقه الطبيعي في تقرير المصير، شأنه شأن شعوب المنطقة، ويعيش على أرضه التاريخية قبل تأسيس الدول الحديثة التي ألحقت جغرافيا كوردستان بها قسرا نتيجة تسويات ومصالح…

عزالدين ملا في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها المشهد السوري، تبرز ملامح واضحة على مسار العلاقات بين الحكومة السورية والكرد، حيث تتغير المعادلات وتتكشف عن بوادر جديدة تلوح في الأفق، تؤشر إلى ميل متزايد نحو التصالح والتفاهم وتؤسس لمرحلة جديدة من التعاون الوطني والشراكة الحقيقية بين جميع مكونات الشعب السوري. بعد سنوات من التوتر والصراع، بدأت تظهر على الساحة السياسية…

إبراهيم اليوسف لكم يصادف أحدنا وهو يتعامل مع الكاذب- لاسيما في هذا الفضاء الافتراضي- بشيءٍ من الشفقة على أحوال من خاضوا غمار الكتابة من باب اكترائها ورخصها في زمن هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي، حتى وإن كان يعده نتاج مرض مكتسب في بيئة موبوءة، إذ لم يعد الكذاب مدعاة للسخرية في القرية، أو الشارع، أو المدرسة، أو المؤسسة، كما أن ما…

الدكتور احمد رشيد في تصريحٍ أثار الكثير من التساؤلات، خرج خالد مشعل، رئيس بما يسمى حركة حماس في الخارج، ليوجّه رسالة إلى الأكراد في سوريا، محذرًا من مشاريع التقسيم، ومؤكدًا ما أسماه “الخط الأحمر” المتعلق بوحدة سوريا. تصريح قد يبدو في ظاهره حريصًا على الجغرافيا، لكنه في جوهره يفتح بابًا واسعًا للنقد حول شرعية هذا التدخل وتوقيته وأهدافه. أولًا،…