حين يتحدث من لا يملك الحق في الكلام

الدكتور احمد رشيد
في تصريحٍ أثار الكثير من التساؤلات، خرج خالد مشعل، رئيس بما يسمى حركة حماس في الخارج، ليوجّه رسالة إلى الأكراد في سوريا، محذرًا من مشاريع التقسيم، ومؤكدًا ما أسماه “الخط الأحمر” المتعلق بوحدة سوريا. تصريح قد يبدو في ظاهره حريصًا على الجغرافيا، لكنه في جوهره يفتح بابًا واسعًا للنقد حول شرعية هذا التدخل وتوقيته وأهدافه.

أولًا، لا يملك أي طرف خارجي، كائنًا من كان، الحق في التدخل في الشأن السوري الداخلي، أو توجيه النصائح لمكوّن من مكوّنات الشعب السوري، سواء كانوا أكرادًا أم عربًا أم غيرهم. سوريا ليست ساحة مفتوحة للوصاية السياسية، ومستقبلها يُصاغ بإرادة أبنائها وحدهم، لا بخطابات تُلقى من خارج حدودها وتحت عناوين فضفاضة.

ثانيًا، من المفارقة أن تأتي هذه “النصائح” ممن يتحمل، سياسيًا على الأقل، مسؤولية كبرى عما آل إليه وضع الشعب الفلسطيني في غزة. فغزة اليوم لا تحتاج إلى خطب حماسية ولا إلى رفع شعارات كبرى، بل إلى مراجعة جادة للسياسات التي قادت إلى هذا الدمار الهائل، وإلى هذا الكمّ المرعب من الضحايا والخراب. من هنا، يصبح السؤال مشروعًا: أليس الأولى بمن يتحدث عن وحدة الدول أن يبدأ بإنقاذ شعبه من الكارثة بدل تصدير المواقف؟

إن استخدام القضايا القومية أو الدينية كأدوات للضغط السياسي لم يعد مقنعًا لشعوب أنهكتها الحروب والتجارب الفاشلة. فالوحدة لا تُفرض بالخطوط الحمراء، ولا تُحمى بالخطابات الإعلامية، بل تُبنى على العدالة، والاعتراف بالحقوق، والشراكة الحقيقية بين مكوّنات أي وطن.

أما الأكراد في سوريا، فهم جزء أصيل من هذا البلد، لهم تاريخهم وتضحياتهم، وهم أدرى بمصالحهم وبكيفية الدفاع عن وجودهم وحقوقهم ضمن أي صيغة وطنية يتوافق عليها السوريون. ولن يكونوا بحاجة إلى دروس في الوطنية ممن فشلوا في حماية أبسط مقومات الحياة لشعوبهم.

في النهاية، إن احترام وحدة سوريا يمرّ عبر احترام إرادة السوريين جميعًا، لا عبر توجيه الرسائل التحذيرية من الخارج. ومن أراد أن يكون صادقًا في دفاعه عن القضايا العادلة، فليبدأ بمحاسبة نفسه، وليكفّ عن التدخل فيما لا يعنيه

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل اسماعيل   لا تُقاس مكانة الدول العظمى بعدد المعارك التي تربحها، بل بقدرتها على تحويل تلك الانتصارات العسكرية إلى مكاسب سياسية دائمة. والتاريخ مليء بأمثلة لدول خرجت متفوقة عسكريًا، لكنها فقدت مكانتها الدولية بسبب إخفاقها في تحقيق أهدافها السياسية. لقد دخل الاتحاد السوفيتي أفغانستان وهو إحدى أعظم القوى العسكرية في العالم، وحقق تفوقًا عسكريًا في معظم مراحل الحرب، لكنه…

حسن قاسم منذ عام 1957، مع تأسيس أول تنظيم سياسي قومي كوردي في سوريا حمل على عاتقه الدفاع عن الحقوق القومية للشعب الكوردي، وحتى اليوم، لم تشهد أدوات وأساليب النضال السياسي الكوردي التحول المطلوب الذي تفرضه طبيعة المرحلة. فعلى امتداد عقود طويلة، بقيت البنية التنظيمية للأحزاب الكوردية أسيرة أساليب تقليدية، بينما تغيّر العالم من حولها سياسياً وتقنياً واجتماعياً. هذه الجمودات…

نظام مير محمدي *   كلما اندلعت انتفاضة في إيران، وتعالت أصوات المطالبين بإسقاط الدكتاتورية الدينية، عادت إلى الواجهة محاولات لإحياء بقايا نظام الشاه وتقديمها بوصفها البديل السياسي للنظام القائم. ولم يعد هذا المشهد مجرد تزامن، بل أصبح نمطاً متكرراً كلما اشتدت الضغوط على نظام الملالي واتسعت دائرة الاحتجاجات الشعبية. هذه الظاهرة تكشف تقاطع مصالح بين طرفين يبدوان متخاصمين، لكنهما…

أعلن الكاتب والسياسي الكردي صلاح بدر الدين قرب صدور كتابه الجديد “الكرد في الثورة السورية” عن دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، والذي يتناول مشاركة الكرد في الثورة السورية منذ انطلاقها عام 2011 وحتى التطورات التي شهدتها سوريا أواخر عام 2024، وذلك وفق ما نشره موقع تلفزيون سوريا. ويعرض الكتاب، بحسب المؤلف، رؤية توثيقية لتجربة الكرد خلال سنوات الثورة، مسلطا الضوء…