دراسة قانونية حقوقية سياسية حول المرسوم رقم /13/ لعام 2026

المحامي عبدالرحمن محمد

مقدمة

القضية الكوردية في غرب كوردستان وسوريا هي قضية سياسية وحقوقية بامتياز، وليست مسألة داخلية أو موضوعا متعلقا بالجنسية أو أقلية لغوية أو ثقافية. إنها قضية شعب أصيل محروم من ممارسة حقه الطبيعي في تقرير المصير، شأنه شأن شعوب المنطقة، ويعيش على أرضه التاريخية قبل تأسيس الدول الحديثة التي ألحقت جغرافيا كوردستان بها قسرا نتيجة تسويات ومصالح دولية وإقليمية، في سياق اتفاقيات التقسيم والانتداب وعلى رأسها اتفاقية سايكس بيكو لعام 1916 وما تلاها من ترتيبات استعمارية رسمت حدود دول مصطنعة.

الشعب الكوردي أمة تعيش على أرضها التاريخية، وهذه حقيقة غير قابلة للتفاوض أو الإنكار أو الجدل القانوني أو السياسي.

الإطار العام للمرسوم

بدأ الشرع كلمته المتلفزة بالاستشهاد بآية قرآنية تدعو إلى التعارف بين الشعوب والقبائل، لكنه تجنب عمدا استخدام مصطلح “الشعب الكوردي”، واستعاض عنه بعبارة “أهلنا الكورد”، وهو ما يكشف بوضوح عن خلفية سياسية تمييزية وعنصرية في مضمون المرسوم وأهدافه.

الشيطان يكمن في التفاصيل، فالمرسوم يحمل صفة شكلية بالاسم فقط، لكنه في الجوهر يمثل مصادرة للقرار السياسي والحقوقي للشعب الكوردي في غرب كوردستان، ويشكل بيانا سياسيا للاستهلاك الإعلامي، يهدف إلى تضليل الرأي العام الكوردي والدولي.

التحليل الحقوقي

الحقوق غير قابلة للتجزئة، والمراسيم لا تنشئ الحقوق بل تكشف عنها، لأن الحقوق موجودة بالأصل ومكرسة بموجب القانون الدولي. وعليه فإن المرسوم رقم /13/ لعام 2026 يمثل “كلمة حق يراد بها باطل”.

كان من الأجدر تعديل الإعلان الدستوري السوري المؤقت بدلا من إصدار مرسوم، لأن الدستور وحده هو الذي يكفل ويضمن الحقوق السياسية للشعوب، وليس المراسيم التنفيذية.

المرسوم يخالف نص المادة /12/ من الإعلان الدستوري المؤقت، ويتعارض مع مبدأ حق تقرير المصير للشعوب، وهو مبدأ سياسي وقانوني دولي غير خاضع للتقادم، وغير قابل للتصرف أو التنازل.

الشعوب هي التي تقرر مصيرها السياسي، إما عبر الحوار والتفاوض والاستفتاء، أو عبر الثورات والمقاومة المشروعة وصولا إلى الاستقلال وتأسيس الدولة، وليس عبر مراسيم تصدر من سلطة انتقالية.

التحليل السياسي

يمثل هذا المرسوم امتدادا مباشرا للسياسات التمييزية والعنصرية التي انتهجها حزب البعث ونظاما الأسد الأب والابن ضد الشعب الكوردي، ويؤكد استمرار نهج الإنكار للحقوق السياسية ونفي الهوية القومية والوطنية الكوردستانية.

المرسوم لا يعترف بالكورد كشعب أو أمة أو قومية، بل يختزلهم في إطار أقلية لغوية وثقافية، وهو أخطر ما فيه سياسيا. كما أنه لا يتطرق مطلقا إلى الحقوق السياسية للشعب الكوردي، لا في بعدها الداخلي ولا الخارجي، ولا حتى إلى الحقوق السياسية للمواطنين كأفراد.

التمييز بين الحقوق السياسية للشعوب والحقوق السياسية للمواطنين مسألة جوهرية، تجاهلها المرسوم عمدا.

التحليل القانوني

المرسوم لا يضمن الحقوق، لأن الضمان القانوني لا يتحقق إلا عبر الدستور. وكان يتعين إدراج حقوق الشعب الكوردي في الإعلان الدستوري المؤقت بوصفه شعبا أصيلا يعيش على أرضه التاريخية.

ما ورد في المرسوم لا يرقى إلى مستوى الحقوق السياسية والمدنية والاجتماعية للشعوب، بل هو مجموعة من إجراءات شكلية ناقصة تفتقر إلى الإلزام الدستوري.

المقارنة التاريخية

عند مقارنة هذا المرسوم بالمرسوم رقم /93/ لعام 1962، الذي جرد عشرات الآلاف من الكورد من الجنسية السورية وقسمهم إلى فئات، نجد تشابها خطيرا في النتائج السياسية، إذ ينزع المرسوم الجديد صفة “الشعب” عن الكورد، وهو ما يشكل مصادرة مباشرة لحقوقهم القومية والسياسية.

قضايا تفصيلية

أولا: عيد نوروز
سلك المرسوم النهج ذاته الذي اتبعه حافظ الأسد في المرسوم رقم /104/ لعام 1988، عندما أفرغ عيد نوروز من مضمونه القومي والسياسي عبر ربطه بعيد الأم. واعتبار 21 آذار عطلة رسمية تحت مسمى الربيع والتآخي هو محاولة متعمدة لإفراغ نوروز من رمزيته التاريخية والقومية في وجدان الشعب الكوردي.

ثانيا: اللغة الكوردية
اعتبار اللغة الكوردية لغة وطنية غير رسمية واختيارية للتدريس والنشاطات الثقافية يمثل إقصاء مقصودا، وينسخ النموذج التركي في إنكار الدور الجوهري للغة كجزء من الهوية القومية. كان يجب الاعتراف بها لغة رسمية إلى جانب العربية وفق مبدأ المساواة.

ثالثا: الجنسية
المواد المتعلقة بالجنسية منسوخة حرفيا من مرسوم بشار الأسد لعام 2011، دون معالجة قانونية حقيقية، ودون تعويض أو اعتذار. والأسوأ وصف الكورد كمقيمين أو وافدين، في إنكار صريح لكونهم شعبا أصيلا على أرضه التاريخية.

رابعا: السياسات التمييزية
تجاهل المرسوم كليا سياسات الاضطهاد القومي مثل مشروع الحزام العربي، مصادرة الأراضي، التعريب، تغيير التركيبة الديمغرافية، ولم يتطرق إلى العدالة الانتقالية أو إعادة الحقوق إلى أصحابها.

الخاتمة

ما يسمى بالمرسوم رقم /13/ لعام 2026 هو بيان سياسي خطير يحمل أبعادا تستهدف مصادرة الحقوق السياسية للشعب الكوردي. ويتعين التعامل معه بحذر شديد ورفضه شكلا ومضمونا، والعمل على تعديله بما ينسجم مع التكييف القانوني والسياسي والحقوقي للقضية الكوردية.

النقطة الإيجابية الوحيدة في هذا المرسوم أنه قد يفتح باب الحوار بين الحركة السياسية الكوردية والسلطة الانتقالية في دمشق، ليكون مدخلا لتفاوض جدي يفضي إلى حل سياسي عادل للقضية الكوردية، قائم على الاعتراف بالشعب الكوردي وحقوقه السياسية، وفي مقدمتها حق تقرير المصير.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي يواجه إقليم كردستان، أرض الصمود ونبض الجبل ووجع الحرية، مرة أخرى تداعيات صراع إقليمي لم يكن طرفاً مباشراً فيه، ولا يملك قرار اندلاعه، لكنه يتحمل جانباً من نتائجه الأمنية والسياسية. وتأتي الهجمات التي تستهدف مؤسسات الإقليم وشخصياته الرسمية بالصواريخ والطائرات المسيّرة لتطرح تساؤلات جدية حول احترام أمن كردستان وسيادة العراق واستقراره، ومسؤولية الأطراف الإقليمية والدولية في منع تحويل…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* إن المقاومة الإيرانية، شأنها شأن الشعب الإيراني، تطالب بجمهورية ديمقراطية قائمة على فصل الدين عن الدولة، والمساواة بين المرأة والرجل، وإلغاء عقوبة الإعدام، وإيران غير نووية خالية من أسلحة الدمار الشامل، مبنية على السلام والتعايش والتعاون الدولي والإقليمي، وتناضل من أجل إحقاق حقوق شعبها. وبعبارة أخرى، فهي تعمل قبل كل شيء على نقل السيادة إلى أصحابها الحقيقيين،…

عزالدين ملا في ذكرى ميلاد الرئيس مسعود بارزاني، تتجاوز المناسبة حدود الاحتفال بميلاد شخصية سياسية، لتصبح محطة تستعيد فيها الذاكرة الكوردستانية محطات طويلة من النضال والتضحيات والتحولات التي رافقت مسيرة الشعب الكوردي. فاسم مسعود بارزاني ارتبط، بالنسبة إلى شريحة واسعة من أبناء كوردستان، بتاريخ الحركة التحررية الكوردستانية وبمرحلة الانتقال من زمن الثورة والمواجهة إلى زمن المؤسسات والسياسة والدبلوماسية، ولذلك تحضر…

خالد حسو من يتخلّى عن قضيته الوطنية والمصيرية، تحت أي ذريعة كانت، سواء أُطلق عليها اسم التكتيك أو السياسة أو الواقعية أو الحسابات المرحلية، لا يخسر موقفًا عابرًا فحسب، بل يغامر بمكانته في ذاكرة شعبه والتاريخ. فالتاريخ لا يحفظ أسماء الذين فرّطوا بالحقوق حين اشتدّت المحن، ولا يكرّم من جعلوا من التراجع فضيلة، ومن التنازل سياسة، ومن الصمت حكمة. قد…