عزالدين ملا
في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها المشهد السوري، تبرز ملامح واضحة على مسار العلاقات بين الحكومة السورية والكرد، حيث تتغير المعادلات وتتكشف عن بوادر جديدة تلوح في الأفق، تؤشر إلى ميل متزايد نحو التصالح والتفاهم وتؤسس لمرحلة جديدة من التعاون الوطني والشراكة الحقيقية بين جميع مكونات الشعب السوري. بعد سنوات من التوتر والصراع، بدأت تظهر على الساحة السياسية والإعلامية إشارات واضحة على أن عقلية الحوار والتفاهم والاستيعاب تتجه نحو تلمس الطريق لإعادة بناء الثقة بين الطرفين في إطار ما يُعبر عن رغبة مشتركة لتجاوز الماضي، والتأسيس لمستقبل أكثر استقرارا ووحدة.
وقد زادت هذه الملامح وضوحاً مع صدور المرسوم 13، الذي جاء ليعكس توجهاً جاداً نحو تصحيح المسار وإيجاد أرضية صلبة للسلام والتفاهم، رغم أن هناك قوى وأطرافا لا تزال تسعى إلى عرقلة هذا المسار.
لكن، وفي ظل ما تتسم به المرحلة من تحديات، تبرز مواقف القيادة السورية بشكل واضح، حيث تؤكد أن الدولة لا تنوي مطلقا مهاجمة المناطق الكردية أو الشعب الكردي، بل تؤمن إيمانا راسخا بأن الكرد هم جزء أصيل من النسيج السوري وأنهم شركاء في بناء سوريا الجديدة، وأن الوحدة الوطنية لا تكتمل إلا بتعزيز حقوق الجميع والعمل على إلغاء كل مظاهر التهميش والإقصاء.
في هذا السياق، تظهر نوايا الحكومة السورية بشكل جلي، من خلال تصريحات الجيش السوري الذي يؤكد على عدم نيته اقتحام القرى والمناطق ذات الأكثرية الكردية، مع الالتزام بمبادئ احترام السيادة والوحدة الوطنية والعمل على بناء بيئة من الثقة، تعتمد على الحوار المفتوح، وتوفير ضمانات واضحة بعدم التعرض أو الإضرار بالمناطق الكردية، مع التركيز على أن استقرار المنطقة هو مصلحة وطنية عليا، وأن أمن وسلامة جميع أجزاء الوطن هو هدف لا يخص طرفا بعينه، بل هو مسؤولية مشتركة بين جميع مكونات الشعب السوري.
في هذا المسار، برز الحديث عن قوات بيشمركة روج، التي تشكلت من خيرة شباب الكرد الذين انشقوا عن جيش النظام ووقفوا مع الشعب والثورة، ولجؤوا إلى إقليم كوردستان العراق، حيث تلقوا تدريبات على يد خبراء دوليين وتلقوا دعما لوجستيا وإداريا، بهدف أن يكونوا قوة منضبطة وذات مصداقية عالية، قادرة على حماية المناطق التي ينتمون إليها، والعمل على استقرارها. ويبلغ عدد هؤلاء المقاتلين أكثر من ثمانية آلاف ولم تتلطخ أيديهم بدماء السوريين، مما يعزز من شرعيتهم ويجعل منهم أداة فعالة لتحقيق الاستقرار وفرض الأمن ودمجهم في مؤسسات الجيش الوطني السوري، بحيث يكونوا قوة أمن داخلي محترفة، تساعد على منع أي أعمال عنف أو فتنة وتعمل على تعزيز الشعور بالمواطنة والولاء للوطن.
وفي إطار هذا الطرح، تأتي المبادرة الرامية إلى دمج قوات بيشمركة روج في الجيش السوري وتوظيفها كقوة أمن داخلي في المناطق الكردية تحديدا بهدف تحقيق الاستقرار وطمأنة السكان وتعزيز الثقة بين مكونات المجتمع، بحيث يشعر الكرد أن الحكومة جادة في توفير حماية حقيقية لهم وأنها تسعى إلى إشراكهم في إدارة شؤونهم، ضمن إطار الدولة السورية الموحدة. كما أن العمل على ضمهم رسميا إلى وزارتي الدفاع والداخلية يرسخ مبدأ أن سوريا ليست دولة للأقليات، وإنما وطن للجميع وأن الكرد جزء لا يتجزأ من نسيجها الوطني وأن استقرار المناطق الكردية هو أحد ركائز بناء سوريا المستقبل، التي تسعى لأن تكون نموذجا للوحدة والتعايش.
وفي الوقت ذاته، يبرز تأثير القوى التي تسعى إلى تعطيل هذا المسار عبر إثارة الفتن أو عبر تحريض بعض الأطراف على عدم التعامل بجدية مع الجهود الرامية إلى المصالحة، وهو ما يتطلب من الجميع أن يقفوا بحزم أمام هذه التحركات وأن يعملوا على إبعاد كل ما يهدد استقرار السوري وأن يظلوا ملتزمين بالحوار، والعمل على فتح نوافذ للثقة، بعيدا عن لغة التصعيد والمظاهر المسلحة التي لا تزيد المشهد إلا تعقيدا، وتؤدي إلى مزيد من الخسائر على الأرض وتضعف فرص الحلول السياسية الحقيقية.
إن استمرار مظاهر العسكرة والتوجه نحو التصعيد لن يحقق إلا مزيدا من الانقسام ويبدد جهود البناء ويهدد السلم الأهلي ويؤخر عملية إعادة الإعمار، ويعمق حالة التوتر والصراع. لذلك، فإن الحل يكمن في الانخراط الحقيقي في مسار البناء والاندماج، الذي يهدف إلى تعزيز الوحدة الوطنية وإشراك جميع المكونات في رسم مستقبل سوريا وإعادة بناء مؤسساتها وتوحيد جهودها بعيدا عن الخلافات والصراعات. إن منطق العقل والمنطق الوطني يقول إن التعاون والتفاهم هو السبيل الوحيد لتحقيق السلام وإن السلام هو الطريق الوحيد لبناء دولة قوية وحديثة ومتقدمة.
لذا، تتطلب المرحلة الحالية من سوريا أن تتجاوز لغة التصعيد وأن تركز على بناء الثقة وتفعيل الحوار وإيجاد حلول عملية ومستدامة، تضمن حقوق الجميع وتحقق مصالح الوطن العليا. فالمصلحة الوطنية تقتضي أن نستثمر في فرصة السلام وأن نؤسس لعهد جديد من التعاون، يضمن حماية الحقوق ويعزز من مكانة سوريا كدولة موحدة وقوية ومتحدة على أساس من المواطنة والعدالة. إن مستقبل سوريا يتوقف على مدى قدرة كافة الأطراف على تحمل مسؤولياتها، وعلى مدى تغليب المصلحة الوطنية على كل مصالح ضيقة، وعلى مدى إيمان الجميع بأن الوحدة الوطنية هي السبيل الأمثل لإنقاذ البلاد واستعادة مكانتها وتحقيق طموحات شعبها في الحرية والتنمية والازدهار. فخيارات السلام والاندماج ليست مجرد خيارات سياسية بل هي خيارات النجاح والنجاة التي ستحدد مستقبل سوريا وتضمن لها مكانة مرموقة بين الدول وتعيد رسم خارطة طريقها نحو مستقبل أكثر إشراقا وأملا.