فرحان كلش
في وقت أحوج ما يكون فيه الكردي إلى معرفة حقيقة ما يحصل، يلجأ حزب الاتحاد الديمقراطي إلى أساليبه الصبيانية في إغفال ما تم التوقيع عليه غير المعلن منه، إذ الحقائق على الأرض تخالف ما يُصرّح به، فحول فكرة الخصوصية الكردية في مناطقه، فأولاً علينا أن نحصل على تحديد جغرافي مشترك بين الطرفين لهذه المناطق، ثم الإنطلاق في رسم مستقبلها، فقامشلوا مثلاً، ذات الغالبية الكردية الواضحة، تعتبرها السلطة كما الحسكة مناطق ذات نفوذ سكاني عربي وبالتالي إخراجها من معادلة تحديد المناطق الكردية، وكذا تم سلخ عفرين وماحولها من الفضاء الجغرافي الكردي، بالإضافة إلى سري كانييه وكري سبي، اللتان ترزحان تحت الاحتلال التركي، وبذلك يتقلص الحضور الكردي في الشريط الريفي على الحدود التركية إلى الحدود الدولية مع كردستان العراق، وهذا يعني أنه تم تقزيم مناطق الحضور الكردي إلى الحد الأدنى، عدا ذلك أين هي تلك الوثيقة التي تعترف فيها سلطة الجولاني بهذه الخصوصية، وما هي مظاهرها، وما دورها في رسم السياسة السورية العامة.
في الحقيقة لم نقرأ في كل اتفاقات قسد مع دمشق ما يشير إلى هذه الخصوصية، وهذه المسألة ترد فقط على لسان كرد قسد، دون إثبات أو دليل، في وقت رفض أكثر من مسؤول من دمشق هذه الفكرة تماماً، وبدل أن ننزل إلى الواقع ونقول الحقيقة للناس، يتم إغفال جملة حقائق أخرى عن الشعب الكردي، بغية استكمال عملية التضليل التي مشى عليه حزب الاتحاد الديمقراطي ومريدوه، فمحافظ الحسكة الذي تم تعيينه باقتراح من قسد، ما هي صفته القانونية إلى اللحظة، ومن الذي عينه، لماذا لم يصدر مرسوم بتعيينه جارياً بالأصول الدستورية، وما هي دلالات احتفالية التنصيب التي تمت، وهل كانت بمثابة تغطية على كون المحافظ المعين ليس إلا قائم بالأعمال، ينتظر خلعه بعد تطبيق اتفاقية الدمج كاملة.
واستكمالا للعبة كان من المهم، إظهار بعض المظاهر الشكلية للإيحاء أن قسد قد استحصل من السلطة على مكاسب، كان لا بد من الصراخ، ورفع مستوى التضليل إلى حده الأقصى.
فالألوية الثلاثة التي سيتم إنشاؤها، لن تدون إلا إلى عدة أشهر وسيتم تصفيتها وإنهاؤها، فضلاً عن هذا الكم الكبير من وسائل إعلام الإدارة الذاتية، سيتم تقليصها إلى وسيلة إعلامية واحدة، تتحدث باللغة الكردية، ولكن بمصالح الجولاني وروح أردوغان.
في هذه المعمعة المليئة بالغموض، يحتاج الشعب الكردي إلى من يخاطبه ليس كقطيع، إنما كصاحب قضية، دفع فاتورة غالية من الدم وعذابات التهجير، عينه على بصيح أمل في أنه سينال بقاء على قيد الحياة، وكرامة هي جلّ ما يعتز به، يحتاج خطاب الحقيقة، وإن كانت قاسية، خير من تضليل يوجعه في النهاية.
إن سياسة الضغط المتواصل التي يمارسها الجولاني حتى تطبيق الاتفاقات سارية بوقاحة بائنة، تفسر الحصار المطبق على كوباني، وعدم السماح للمواد الإغاثية من الوصول إليها بالشكل المطلوب، وكذلك السماح بتكوين تشكيلات عسكرية عشائرية على أطراف المناطق الكردية، وتهديدها الكرد صراحة.
و حتى السماح للاحتفال الصارخ بتنصيب محافظ كردي على الحسكة وإن كان خارج الأطر الدستورية، إلا من مشهديات التغطية على الحقائق التي تجري على الأرض.
وفي لحظة يبدوا فيها حزب الاتحاد الديمقراطي مستمراً في خياراته الآيديولوجية، والسياسية، والتفاضية، وكأنه لا يحتاج إلى خيارات أكثر عقلانية، وخيارات أكثر إلصاقاً ببيئته الكردية والكردستانية، برؤية واضحة، برؤية استراتيجية وليست آنية وتكتيكية.
إن الصراع مازال محتدماً، ويمكن في أية لحظة أن تتغير موازين التوجه الدولي، خاصة وأن بؤر التوتر في المنطقة، يشكل الكرد فيها، ثقلاً نوعياً كإيران مثلاً.
لهذا كله فالحرب مازالت فرصها قائمة، إذا كان حزب الاتحاد الديمقراطي ينطلق من منظوره الروزآفاوي وليس من منظور السيد أوجلان، الذي ينال ثناء القادة الأتراك في هذه الأيام، وكأنه قدّم لهم صيداً ثميناً، ولن يكون هذا الصيد -إن تم- أثمن من رأس قسد، قسد التي شكلت إرهاقاً نفسياً للقادة الأتراك، خاصة أيام كانت تتحدث عن مسألة الفدرالية واللامركزية وما إلى ذلك من هذه الطروحات وإن لم تكن ضمن صميم العقد الإجتماعي للإدارة الذاتية فإن ذلك كان يوقف تركيا كلها على قدميها في حالة ذعر وقلق.
وأعتقد، كما يعتقد الكثيرون أن الكرد قد فقدوا حلماً خاصاً بدولة سورية لامركزية، تكون فيها المناطق الكردية طرفاً رابحاً كما كل سوريا، وأنه في كل هذا الضجيج، الشيء المضمون الذي سيتحصل عليه الكرد هو المرسوم 13، والذي هو مليئ بالمطبات اللغوية والقانونية، وسيحتاج الكرد مائة سنة من النضال من أجل تعديله، لأن هذا المرسوم بصراحه، يحمل خبث أردوغان ورؤيته إلى الكرد، ويتضمن إنكاراً منسجماً مع عقيدة الجولاني السياسية المتمثلة بوطن واحد، شعب واحد، علم واحد، نعم، كما و ستدخل فكرة تعديل هذا المرسوم إلى البرامج السياسية للأحزاب الكردية القليلة التي ستصمد بعد تسوية الملفات الكبرى من قبل الجولاني.