مُدَوَّناتنا لن تُحدِث ثورةً

خالد جميل محمد

بهذي المدوَّنات / المنشورات، التي هي “حبرٌ على ورق”، بعد أن شارفتُ الستين من العمر، بعزّة وكرامة ونزاهة، وقد كنتُ ولا أزال من ضحايا نظام الأسدَينِ ومَن يقتدون به في مجتمعاتنا المنكوبة، ودفعتُ من الضريبة ما كان متاحاً وممكناً، لستُ أطمح في منصبٍ أو مَكْسَبٍ بعدُ؛ فجُلُّ ما يَشْغَلُني الآنَ هو أن تُتاح لي فرصةٌ للتقاعد واعتزالِ ضوضاءِ المزايداتِ والادّعاءاتِ الملوِّثةِ للبيئة والروح والذهن، وتجنُّبِ متابعةِ ما يجعل المرءَ ساخطاً على ما يَرى ويشاهد ويَسمَع ويَقرأ من استخفاف بالعقول وقيم الإنسان العاقل، في زمن طغيان الجنون.

ما أنشره في هذا الفضاء الأزرق، بحُرِّيَّةٍ مجتزأة تحدُّها خَشيةٌ من هدر الدَّم والسُّمعة والكرامة، عن كلّ مَن “استخفَّ قومَه فأطاعوه”، وصفّقوا له، وأشادوا بمنجزاته وحِكمته، لَهُوَ تجسيدٌ حقيقيٌّ لحالة الإقصاء والتهميش والإنكار والتعتيم التي أعانيها أنا وأمثالي المختلِفون عن آراء وتوجهات وشروط وقيود ومعايير مراكز القرار التي لم تُبقِ للعقل السليم فسحةً حقيقيةً لتعبيرٍ حقيقيٍّ نفتقده، سِوى هذي الساحة التي ليس لهم فيها فضلٌ.

بهذي المدوَّنات الـتي هي “حبرٌ على ورق”، في زمن سيادة التُّرَّهات والسَّخافات، وهباءٌ منثورٌ في واقعِ يتعذر علاجه بكل صنوف الصَّحْو وسلامةِ التفكير والمنطقِ، لا أُوْهِمُ نفسي، ولا أخدعها، ولا أكذب عليها، ولا أُدَلِّس الكلام، كما هم بقومهم وأتباعهم ومُريديهم يفعلون. ولا أدّعي أني “لَآتٍ بما لم تَستَطِعْه الأوائلُ”، فحَسْبي أن أقول: ها أنا كما ينبغي أن أكون، لا كما يريدُ الباحثون عن المصفِّقين، وها أنا كما أريد أن تكون هُوِيَّتي وأَنِيَّتي وإِنِّيَّتي، بحيث لا أكون نسخة عن غيري، ولا ألهثُ وراء شعارات التبعية والارتزاق والتهويل، التي باتت قِيَم هذا الزمان.

إني على يقينٍ بأن مدوَّناتي هذه لن تُحدِث ثورةً فكرية أو انقلاباً في المفاهيم، ولن تحقق تغييراً في واقع تهيمن عليه قوى تُحْكِمُ الخناق على الفكر والرأي والتعبير، وتُقصي كلَّ مَن يجيد التفكير السليم، وصَوْنَ الكرامة الشخصية وغيرِ الشخصية، وتستهدف كلَّ من يقول عن القبح إنه قبحٌ، وتجعلني، كآخرين مثلي، أن أكون شديد الاحتراز والحذر، لئلا يفتح الطغاة وأتباعهم ومريدوهم ودراويشهم وقارعو طبولهم، بوّابات جحيم التخوين والتكفير والاتهامات عليَّ، فأكون – أنا المتَّهم المُدان المتمرّد الساخط- المِشْجَبَ الذي يعلّقون عليه كل خساراتهم وإخفاقاتهم.

 

https://www.facebook.com/story.php?#

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

امين كلين عفوا ياسادة الافاضل : يتحدثون عن تشكيل المرجعية الكردية في سورية ، في الدول الديموقراطية مجلس النواب هو المرجع الاساسي لانه منتخب من الشعب ( ليس معينا ، فالمعين لايصبح مرجعا ) قبل عام وتيف ( 26 نيسان 2025 ) اتفقت أطراف كردية كثيرة على عقد كونفراس شامل وشكلوا وفدا برأسين ( دليل عدم التوافق ) وتحت قيادة…

جان دوست ما يمكن أن يعتبرها البعض صحوة وعودة وعي ومراجعة بعد هزائم قسد وانهيار نظام الإدارة الذاتية في سوريا، لم تصل ارتداداتها بعد إلى بيئة حزب العمال الكردستاني في سوريا. ما زال هؤلاء مؤمنين ب-“فلسفة” أوجلان ومعتقدين أن “تكتيكات” حزب العمال ناجحة في كل زمان ومكان. صعب على هؤلاء تصديق أن “فكر القائد” يعيش مراحله الأخيرة وأن الوظيفة انتهت…

خالد جميل محمد لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم…

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…