عندما يتحول النقد إلى تحد.. “تفضلوا إلى الساحة” 

نورالدين عمر 

عبارة “إن لم تقبلوا فتفضلوا إلى الساحة” المنتشرة في روجافا هذه الأيام، هي مثال صارخ على التمسك بالخطأ والهروب من المسؤولية، وهي تعكس عقلية ترفض النقد البناء وتستبدله بلغة التحدي بدلاً من لغة الإنجاز.

أولاً- الخطأ هنا يكمن في افتراض أن الحق في النقد مشروط بالقدرة على فعل الشيء نفسه. أما في الواقع، فلست بحاجة لأن تكون طباخاً ماهراً لتقول إن الطعام محترق، ولست بحاجة لأن تكون صانع سيارات لتعرف أن المكابح لا تعمل. لذلك فإن استخدام عبارة “تفضلوا إلى الساحة” هو محاولة لإسكات الأصوات الناقدة بدلاً من مناقشة جوهر الخطأ.

ثانياً- شخصنة الأمور؛ أي بدلاً من أن يدافع صاحب الفعل عن “فعله” بالأدلة والبراهين، فإنه يهاجم “شخص” الناقد، فتتحول المعركة من: كيف نصلح الخطأ؟ إلى: “من أنتم لتنتقدونا؟”. هذا الأسلوب ينقل الصراع من دائرة العمل والإنجاز إلى دائرة التحدي الحزبي والشخصي وإثبات الذات.

ثالثاً- هذه العبارة هي إعلان صريح عن رفض المسؤولية؛ لأن القائد أو المسؤول الناجح يرى النقد كمرآة تخدم المصلحة العامة. أما القول “تفضلوا إلى الساحة” فهو يعني ضمناً: “إما أن تقبلوا بفشلي أو أن تأخذوا مكاني”، وهو عملياً غير مستعد للتنازل عن مكانه لأي إنسان.

رابعاً- هذا الادعاء لا ينسف مبدأ التخصص وتقسيم الأدوار في أي مجتمع أو منظومة فقط، بل هو رفض لكل نقد وتصحيح، وهو أيضاً تشبث بالكرسي أو الموقف. كما تعبر هذه العبارة عن “أنا” متضخمة ترى في النقد إهانة شخصية لا محاولة للتطوير، ما يؤدي إلى الانعزال عن الواقع. فعندما يتهم كل الناقدين ويطلب منهم “النزول إلى الساحة”، لا يبقى حول المسؤول إلا “المصفقون”، مما يؤدي في النهاية إلى انهيار المنظومة بالكامل بسبب غياب النقد.

باختصار: هذه العبارة ليست “شجاعة” كما قد يراها البعض، بل هي درع هش يستخدمه من لا يملك الحجة للدفاع عن نتائجه الضعيفة.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبد الكريم عمي في مشهد يفيض بالتناقضات، تتكشف ملامح خطاب سياسي وإعلامي يرفع شعارات التضامن مع غزة من على منصات بعيدة عن ميادين الفعل، بينما تتسارع التحولات الإقليمية على الأرض بشكلٍ يعاكس تماما هذا الخطاب. فبينما تنظم فعاليات في عفرين تحت لافتة نصرة غزة ، تبدو هذه التحركات أقرب إلى الاستعراض الرمزي منها إلى موقف سياسي مسؤول يعكس إرادة الشارع…

خالد حسو منذ أكثر من عقدين، ومع الانتشار الواسع لشبكات التواصل الاجتماعي، تغيّرت ملامح الخطاب العام في العالم كله، وليس في عالمنا الشرق الأوسطي فقط. لم تعد الكلمات تُنتقى بعناية، ولم يعد الناس يحسبون حساباً لما يكتبونه أو يقولونه. بل أصبح البعض يكتب كما يشتم في لحظة غضب، ويرد كما يهاجم في الشارع. لقد تحولت هذه المساحات الافتراضية إلى ساحات…

وكالات: 🇺🇸 اختبأ الطيار الأمريكي على حافة مرتفعة ضمن المنطقة الجبلية والحرجية التي هبط فيها. وقد تحرك سيراً على الأقدام مبتعداً عن النقطة التي هبط فيها بالمظلة، ثم قام بتفعيل منارة تحديد الموقع. وقد وفرت له التضاريس الجبلية والحرجية وغير المأهولة وقتاً ثميناً، وأتاحت له البقاء على قيد الحياة دون أن تتمكن القوات الإيرانية أو القرويون الموالون للنظام من الوصول…

عبدالجبار شاهين لم يكن الرابع من نيسان ١٩٨٠ مجرد تاريخ في روزنامة القمع بل لحظة فاصلة قرر فيها النظام البعثي ان يحسم علاقته بالكرد الفيليين عبر اقتلاعهم من المعادلة الوطنية دفعة واحدة مستخدما قرارات ادارية باردة لتنفيذ مشروع تطهير قومي مذهبي حار فقد فيه الانسان اسمه ووثيقته وبيته واثره في آن واحد في ذلك اليوم وما تلاه جرى ترحيل ما…