د. محمود عباس
الحلقة الثالثة من سلسلة تحليلية..
من الإمبراطورية العسكرية إلى الإمبراطورية الخوارزمية.
تُدار الدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة اليوم على إيقاع طفرة الذكاء الاصطناعي، وعلى منطق الخوارزميات العملاقة، لا على مزاج الزعماء ولا على الشعارات الأيديولوجية القديمة. إنها دولة لا تتحرك بردّات الفعل، بل تُعيد هندسة العالم من فنزويلا، إلى الاحتجاجات المتصاعدة في إيران، إلى تصدّعات الداخل التركي، وصولًا إلى محاولات تصنيع سوريا جديدة على مقاس المصالح الأمريكية–الإسرائيلية في الشرق الأوسط.
وهذا التحول، بحد ذاته، هو ما يرعب أنقرة وطهران، ويكشف خواء الخطاب السني التكفيري في سوريا، الذي جرى تعويمه إعلاميًا وسياسيًا، رغم أنه لا يتجاوز كونه نسخة مبدّلة الشكل عن إرهاب قديم، بلا أي مضمون حضاري أو قابلية فعلية للاندماج في العصر.
لم يكن هذا التحليل وليد لحظة عابرة، ولا قراءة انفعالية فرضتها تحوّلات راهنة. بل جاء امتدادًا لمسارٍ فكري تناولتُه قبل أكثر من عام، في سلسلة مقالات من ثلاث عشرة حلقة، تحت عنوان:
(لو أصاب القنّاص ترامب، هل كانت أمريكا ستغزو العالم بالذكاء والتعرفة أم بالصواريخ؟)
في تلك السلسلة حاولت تفكيك التحوّل الجاري في طبيعة الهيمنة الأميركية، كما تجلّى منذ الولاية الأولى لدونالد ترامب، ثم ازداد وضوحًا في المرحلة الانتخابية لولايته الثانية، ولا سيما عقب محاولة اغتياله. فقد بدا أن ما يمكن تسميته بـ«الدولة العميقة العصرية» يسعى إلى إعادة صياغة أدوات الإمبراطورية، عبر نقل مركز الثقل من منطق الغزو العسكري المباشر إلى منطق السيطرة الاقتصادية–التكنولوجية، حيث تصبح التعرفة، وسلاسل الإمداد، والذكاء الاصطناعي، والعقوبات المالية، أدوات تفوق في فاعليتها كثيرًا من حاملات الطائرات.
غير أنّ هذا التحوّل لم يكن قطيعة جذرية مع الإرث الإمبراطوري الكلاسيكي، بل مرحلة تداخل معقّد بين نمطين من الهيمنة. فالدولة العميقة العصرية، وهي تبني أدواتها الجديدة، ما تزال تستند إلى بنية الدولة العميقة التقليدية، وعلى رأسها القوة العسكرية، بوصفها ذراعًا ضامنًا واحتياطيًا استراتيجيًا يؤمّن الانتقال ويحميه. وهكذا لم تُستبدل الصواريخ بالتعرفة، بل أُعيد ترتيب موقع كل منهما في معادلة الهيمنة، ضمن طورٍ انتقالي تتجاور فيه التكنولوجيا مع الردع، والاقتصاد مع القوة الصلبة، في صيغة إمبراطورية أكثر مرونة وأشد تعقيدًا.
وما نشهده اليوم ليس سوى التحقق العملي لما كُتب آنذاك، عالمٌ يُعاد تشكيله لا بالقنابل وحدها، بل بالبيانات والأسواق والخوارزميات، وبالتحكم بمفاصل الوعي والاقتصاد معًا، حيث تعمل القوة العسكرية كخلفية ردعية، بينما تتقدم أدوات السيطرة الناعمة لتقود المشهد وتعيد رسم خرائط النفوذ.
حين جرى الحديث عن “شرق أوسط جديد”، لم يكن ذلك ضربًا من التهويل أو النبوءات المجانية، بل قراءة دقيقة لتحوّل بنية الهيمنة الإمبراطورية من منطق السيطرة العسكرية المباشرة إلى منطق السيطرة الاقتصادية–الخوارزمية. شرق أوسط يُعاد تشكيله وفق متطلبات السوق العالمي، وسلاسل التكنولوجيا، ومصالح الشركات العملاقة العابرة للقارات.
وفي هذا السياق، لم يكن إجبار دول الخليج على ضخ ما يقارب خمس تريليونات دولار في شرايين الاقتصاد الأمريكي سوى ثمن البقاء داخل منظومة التبعية الجديدة، لا تحالفًا طوعيًا متكافئًا.
تجربة فنزويلا، في هذا الإطار، ليست حالة معزولة، بل رسالة تحذير للأنظمة التي ما زالت تتوهم أنها قادرة على تحدي الدولة العميقة العصرية الأمريكية خارج قواعد اللعبة العالمية. لا إيران، ولا تركيا، ولا الكيان السوري “الانتقالي” ذو الخلفية الإرهابية، سيكونون بمنأى عن ارتدادات هذا المسار، مهما تبدلت الواجهات، أو أُعيد تدوير الخطابات.
في المقابل، لا يُعاد تشكيل الشرق الأوسط بمجرد إسقاط أنظمة، بل عبر إعادة هندسة موازين القوى بما يتلاءم مع المصالح الكبرى، وإعادة توزيع النفوذ داخل الدول، تمهيدًا لولادة كيانات أكثر انسجامًا مع روح العصر.
في هذا السياق، ليست كوردستان تفصيلًا عابرًا، بل مكوّنًا أصيلًا في مسار التحوّل. بثقافتها السياسية المناهضة للإرهاب، وباقتصادها المنفتح، وبمجتمعها الأكثر استعدادًا للاندماج في الحداثة، تقف كوردستان، إلى جانب إسرائيل، وفلسطينٍ متحررة من نهج حماس وأدوات إيران، وخليجٍ يعيد تعريف ذاته، كعناصر قادرة على التفاعل مع الطفرة الخوارزمية العالمية، لا الوقوف في وجهها بشعاراتٍ مستهلكة.
غربي كوردستان، والقوى الكوردية من قوات سوريا الديمقراطية إلى البيشمركة، ليست “أدوات محلية” ظرفية، بل قوى تتماهى، موضوعيًا، مع مسار التحولات العالمية في الشرق الأوسط. فالشعب الكوردي، بخلاف كثير من شعوب المنطقة، أظهر استعدادًا مبكرًا للانفتاح على الوعي العصري، وعلى مفاهيم الدولة المدنية، والتعددية، والاقتصاد الحديث، وهو ما يجعله شريكًا قابلًا للاستمرار، لا عبئًا مؤقتًا.
وكما رُسمت خريطة الشرق الأوسط في القرن الماضي وفق مصالح الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية، تُعاد اليوم صياغتها وفق منطق الإمبراطورية الأمريكية الخوارزمية، إمبراطورية لا تُدير الخرائط بالحبر، بل بالبيانات، ولا تُثبت نفوذها بالمدافع، بل بالتحكم في مسارات الاقتصاد، والتكنولوجيا، ومفاصل الوعي العالمي. وفي هذه الخريطة الجديدة، لا مكان للكيانات المتكلسة، ولا للتكفير، ولا للأنظمة التي تعيش خارج الزمن، بينما تُفتح المساحة أمام من يفهم شروط العصر، ويملك القدرة على العيش فيه.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
3/1/2026م