عشرات السنين ونحن نعيش النتائجَ نفسَها، ولا جديد سوى اليباب

خالد جميل محمد
عشرات السنينَ الغنيّة بآلاف التجارب على مرّ التاريخ، ومنطق العقل يقول: إن قضايا الشعوبِ ومشكلاتِها وأزماتِها لا تُحلّ بالشعارات الحماسية والصراخ المُجَلْجِل خلف الشاشات، ولا تحلّ بالخطابات الرنّانة والضوضاء والزَّعيق أو بتخوين الآخَرين المختلِفين، ولا تُحلُّ بالفَساد والفاسدين والمفسِدين والمدَّعين الزائفين، ولا باختلاق الأكاذيب وإشغال الناس بالأوهام والركض وراء سراب الوعود الخيالية.
عشرات السنينَ، وقضايا الشعوب لا تُحلُّ بإهانتهم بالتنمُّر عليهم والضحك على عقولهم بما يفوق طاقاتهم وقدراتهم، بل إنها تُحلُّ ببناء الإنسان أولاً، والفكر أولاً، والعِلْم أولاً، وبالمؤسسات الحقيقية، وبمراكز الأبحاث، والمناهج التربوية والتعليمية العصرية والحضارية المُجْدية حقاً لا كَذِباً، وبإعلامٍ جادٍّ وحقيقيٍّ وسَوِيٍّ وسليمٍ، ينشغل بهموم الناس وتطلعاتهم لا برغبات ومزاجيات العاملين في تلك المنابر.
قضايا الشعوب تُحَلُّ بإفساح المجال لأصحاب الكفاءات الحقيقية والعقول النيِّرة التي يجب التعويل عليها بدلاً من تقديم المتنفِّذين الوصوليين المدعومين والجَهلة المتسلّقين الباحثين عن أمجاد شخصية ومكاسب بأي ثمنٍ تدفعه الشعوب المحرومة من سماع أصوات العقل والحقّ والعدالة.
عشرات السنينَ، وصُنّاعُ الخَراب ومُصادِرو القرار ومبتكرو آلاف طرائق الاحتيال على الشعب بِاسْم الشَّعب، لا يعترفون بما أنجرتْ أيديهم من هلاك لهذي الشعوب المنكوبة، بل يفتحون هم وغَوغَاؤهم التابعون الشُّرْسُ وأتباعُ تابعيهم مِن المستفيدين، أبوابَ الجحيم والشتيمة والتخوين والتكفير والانتقام والتهديد، على كلِّ مَن يبوح بنقدٍ أو ملاحظة أو إيماءة تدلّ على سخط أو رفض أو استنكار أو رأي مختلف أو مخالف… ودائماً، وفي كل وقت، يقال: الآن ليس مناسباً للنقد.. ليس مناسباً للخروج عن السائد، حتى إن كان خطأً وكارثياً (!).
عشرات السنين ونحن نعيش النتائجَ نفسَها، ولا جديد سوى اليبابِ، ولا ابتكار سوى تكرير التجارب نفسِها بكل ما فيها من مساوئ وإخفاقات.. ونظلّ نتابع بوعيٍ، ونعرف بعُمقٍ، ونرى بدِقّة، ونشاهد ونسمع بوضوحٍ، وندرك حقيقةَ تفاصيلِ ما يجري في ساحات التنظيمات والمؤسسات والسياسة والإعلام والثقافة والفنّ من تدمير وتدليسٍ… لكننا لم نلتزم الصمتَ، وإن كان صوتُنا خافتاً في خِضَمّ الضجيج الطاغي طغيان الظالمين، لكننا نعلم أننا في مواجهة جيوش من المستفيدين من النفاق المستشري في جميع خلايا حياتنا.
ألا يكفي؟!
بَلى.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أحمد بلال يُعدّ الشعب الكوردي من أقدم شعوب الشرق الأوسط وأكثرها تمسّكًا بأرضه وخصوصيته الثقافية. وعند التأمل في الديانة الإيزيدية ومقارنتها بعادات وتقاليد الكورد، تتضح صلةٌ عميقة تدل على أن كثيرًا من الملامح الإيزيدية ما تزال حاضرة في الشخصية الكوردية، رغم اعتناق أغلبية الكورد الإسلام عبر القرون. كان الكورد معروفين بصدقهم في القول، حتى أصبح يُقال عن الكلام الحق: “كلام…

عدنان بدرالدين إذا كانت الحلقة الأولى قد بيّنت كيف تبدأ فرضية «ديمقراطية الضرورة المُدارة» بين نقد ماركس لبراءة الديمقراطية الشكلية ودفاع آرندت عن السياسة بوصفها فعلًا لا يجوز اختزاله في الإدارة، وإذا كانت الحلقة الثانية قد أضافت، مع فيبر ونيتشه، عنصرين حاسمين هما الوعي بأن السياسة بلا ضمانات، والشك في أن الحياد لغة بريئة حقًا، فإن هذه الحلقة الثالثة تصل…

صلاح بدرالدين وقفة احتجاجية لاهالي الاسرى والمفقودين الذين ( يربو عددهم السبعمائة ) على اقل تقدير وذلك بمدينة القامشلي يوم الخامس من نيسان / ابريل ، وبالرغم من التعتيم الإعلامي من جانب سلطة الامر الواقع لقسد ، وب ي د ، وامتناع وسائل اعلامها لتغطية الحدث الأهم في الفترة الأخيرة ، وبالرغم من علائم الحذر والخوف المخيمة على وجوه الأهالي…

كفاح محمود في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار (مارس)، لا يعود الحديث عن حزب سياسي فحسب، بل عن واحدة من أعرق مدارس الوطنية العراقية وأكثرها تضحية ونبلًا، فثمة أحزاب تُعرف بما بلغت من سلطة، وأخرى تُعرف بما تركته في الضمير العام من أثر، والحزب الشيوعي العراقي من ذلك الطراز الذي خسر كثيرًا في حساب القوة، لكنه ربح…