جلال مرعي
في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية، تستند إلى الكفاءة والخبرة لا إلى العادة والتكرار.
إن الحاجة الملحّة اليوم لا تقتصر على تحديد المواقف السياسية فحسب، بل تمتد إلى مراجعة جادة لآليات التمثيل وصناعة القرار داخل المجلس الوطني الكردي. فالإصرار المستمر على الاعتماد على الوجوه ذاتها في كل اجتماع أو استحقاق سياسي، من دون إدخال مختصين في السياسة أو القانون أو العلاقات الدولية أو إدارة التفاوض، يثير تساؤلات مشروعة حول قدرة هذا النهج على مواكبة المرحلة وإنتاج نتائج مختلفة عمّا سبق. فالواقع السياسي المتغير لا يمكن مقاربته بعقلية ثابتة أو أدوات مستهلكة.
إن المرحلة الراهنة، بما تحمله من تعقيدات داخلية وتشابكات إقليمية وضغوط دولية، لا تحتمل التكرار ولا المجاملة، ولا تسمح بالرهان على الخطاب الإنشائي أو الحضور الشكلي. بل هي مرحلة تحتاج إلى عقول خبيرة، تمتلك القدرة على قراءة المشهد السياسي بعمق، وفهم موازين القوى، والتعامل مع الملفات الحساسة بمسؤولية ومرونة في آنٍ واحد. غير أن المجلس الوطني الكردي، كما يبدو من ممارساته، ما زال يعاني من حالة انغلاق على الذات، تحصر خياراته ضمن دائرة ضيقة، وتُقصي طاقات وخبرات قادرة على الإضافة والتجديد وصياغة مقاربات أكثر نضجاً.
هذا الانغلاق لا يمكن تفسيره بندرة الكفاءات أو غيابها، فالمجتمع الكردي يزخر بنخب سياسية وأكاديمية وقانونية وإعلامية أثبتت حضورها في ساحات متعددة. لكنه، في جوهره، نابع من خشية غير مبررة لدى بعض القيادات من أن يؤدي إشراك وجوه جديدة إلى إعادة ترتيب المشهد الداخلي، وربما إلى المساس بمواقع اعتادت الحضور الدائم والتمثيل الحصري. غير أن العمل السياسي الحقيقي لا يُقاس بمدى القدرة على الحفاظ على المواقع، بل بمدى الاستعداد للتغيير، والقدرة على مواكبة التحولات، والاستجابة لمتطلبات اللحظة التاريخية.
إن التمسك بالأسماء المكرّسة، على حساب الخبرة والكفاءة، لا يضعف فقط الأداء السياسي، بل يفاقم الفجوة بين المجلس والشارع الكردي، الذي بات أكثر وعيًا وحساسية تجاه ما يجري، وأقل استعدادًا لتقبّل الخطابات المكررة والوعود غير الملموسة. فالشارع اليوم لا ينتظر بيانات عامة، بل ينتظر رؤية واضحة، وخطابًا متجددًا، وأفعالًا تعكس إدراكاً حقيقياً لخطورة المرحلة.
من هنا، يصبح تجديد الخطاب السياسي، وتوسيع دائرة المشاركة، والاعتماد على الخبرة بدل الأسماء التقليدية، ضرورة وطنية لا ترفاً تنظيمياً. فإشراك الأكفاء وأصحاب الاختصاص لا ينتقص من دور القيادات القائمة، بل يعزّزه ويمنحه بعداً مؤسسياً أكثر قوة ومصداقية. أما الإصرار على النهج الحالي، فيعني البقاء أسرى نمط تقليدي أثبت محدوديته، وعجزه عن تحقيق اختراقات حقيقية في محطات سابقة.
إن المجلس الوطني الكردي يقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم: فإما أن يلتقط هذه اللحظة الحساسة، ويفتح نوافذه لرياح التغيير، ويعيد الاعتبار للكفاءة والخبرة كمعيار للتمثيل والقيادة، أو أن يستمر في الدوران داخل حلقة مغلقة، في وقت لم تعد فيه الظروف تسمح بالمزيد من الإخفاق أو إضاعة الفرص. فالمرحلة لا ترحم، والتاريخ لا ينتظر المترددين.