ملف «ولاتى مه» حول المرسوم الجمهوري رقم (13) ..
ضمن ملفه الخاص حول المرسوم الجمهوري رقم (13)، يواصل موقع ولاتى مه فتح باب النقاش مع سياسيين ومثقفين وحقوقيين كرد، لقراءة أبعاد المرسوم ودلالاته السياسية والثقافية.
وفي هذه القراءة التحليلية، يتناول الكاتب والناشط السياسي ريزان شيخموس المرسوم من زاوية شاملة، تربط بين نصه وسياقه السياسي والأمني، وتناقش دلالاته الرمزية، وحدود فعاليته، ومخاطر اختزاله للقضية الكردية في إطار ثقافي أو إداري. كما يسلط الضوء على الملفات الجوهرية المغيبة، وفي مقدمتها الأرض، والحقوق التاريخية، والتمثيل السياسي، والحاجة إلى حل دستوري قائم على الحوار والشراكة الوطنية الحقيقية..
رأي الأستاذ ريزان شيخمزس:
قراءة في دلالات المرسوم الرئاسي في ظل التصعيد العسكري وتعقيدات المرحلة الانتقالية
تعكس التطورات الجارية في سوريا اليوم عمق الأزمة السياسية غير المحسومة، في ظل الاشتباكات المستمرة بين فصائل تابعة للسلطة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وما يرافقها من تصعيد عسكري وتحريض قومي متجدد. وفي خضم هذا المشهد المعقّد، صدر المرسوم رقم (13) لعام 2026 عن الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية أحمد الشرع، في توقيت بالغ الحساسية، ما منح المرسوم دلالة سياسية خاصة لا يمكن فصلها عن السياقين الأمني والسياسي المحيطين به.
أكد المرسوم أن المواطنين السوريين من أصول كردية يشكّلون جزءًا لا يتجزأ من النسيج الوطني السوري، مع الاعتراف بحقوقهم الثقافية واللغوية وتعزيز مكانتهم ضمن الدولة السورية الموحدة. وقد أثار هذا المرسوم نقاشًا واسعًا في الأوساط السياسية والمجتمعية، خاصة أنه صدر في مرحلة انتقالية معقّدة تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية مع الاستحقاقات السياسية، ما يستوجب قراءة متأنية تتجاوز الترحيب الشكلي أو الرفض المسبق.
يرتكز المرسوم على مبادئ أساسية، أبرزها الاعتراف الرسمي بالهوية الكردية بوصفها مكوّنًا أصيلًا من مكونات الشعب السوري، والتأكيد على مبدأ المواطنة المتساوية، ورفض سياسات الإقصاء والإنكار التي مورست بحق الكرد لعقود. كما يعيد الاعتبار للتنوع القومي والثقافي بوصفه عنصر قوة ووحدة وطنية، لا تهديدًا للدولة.
غير أن أهمية هذه المبادئ تبقى منقوصة ما لم تُترجم ضمن إطار دستوري وتشريعي دائم، يضمن استمراريتها ويحميها من التراجع، ويحوّلها من نصوص سياسية ظرفية إلى حقوق مكتسبة لا تخضع لتقلّبات موازين القوى.
يساهم المرسوم، من حيث المبدأ، في إعادة الاعتبار للتعددية الثقافية واللغوية بعد عقود من سياسات الصهر القومي، إذ يفتح الاعتراف باللغة الكردية والتراث الثقافي الكردي الباب أمام نموذج وطني تعددي يعزز التعايش بين المكوّنات السورية. إلا أن هذا الدور يبقى محدود الأثر ما لم يُرفق بسياسات ثقافية وتعليمية واضحة، تضمن حضور هذا التنوع في المناهج التعليمية والإعلام الرسمي والفضاء العام، بعيدًا عن منطق “المنّة السياسية”.
ويتضمن المرسوم إشارات إلى إجراءات عملية تتعلق باللغة والتعليم، مثل السماح بتدريس اللغة الكردية وحماية استخدامها في الحياة الثقافية. غير أن التجربة السورية السابقة تفرض تساؤلات جدية حول آليات التنفيذ، والجهات المشرفة عليها، ومدى استقلاليتها، خاصة في ظل استمرار تغليب المقاربة الأمنية على السياسية في إدارة الملف الكردي.
يحمل إقرار اللغة الكردية كلغة وطنية، والاعتراف بعيد النوروز كعطلة رسمية، دلالات رمزية عميقة يمكن أن تسهم في تعزيز التلاحم الاجتماعي إذا ما قُدّمت في سياق وطني جامع. إلا أن هذه الرمزية تفقد جزءًا كبيرًا من قيمتها حين تترافق مع تصعيد عسكري وانتهاكات على الأرض، كما حدث في بعض الأحياء الكردية في حلب، ما يعيد إلى الواجهة مخاوف قديمة من ازدواجية الخطاب بين السياسة والممارسة.
وتبقى قضية إلغاء القوانين والتدابير الاستثنائية المرتبطة بإحصاء عام 1962 من أكثر الملفات حساسية، لما خلّفه من حرمان عشرات الآلاف من الكرد من الجنسية وما ترتب عليه من آثار اجتماعية واقتصادية عميقة. إن معالجة هذا الملف تشكّل اختبارًا حقيقيًا لجدية الدولة في طي صفحة الماضي وإرساء مبادئ العدالة الانتقالية.
وفي هذا السياق، لا بد من التأكيد على أن القضية الكردية في سوريا ليست قضية ثقافية أو لغوية فحسب، بل هي في جوهرها قضية أرض وشعب وحقوق تاريخية. فسياسات نزع الملكية، والتغيير الديمغرافي، وحرمان الكرد من أراضيهم ومصادر عيشهم، شكّلت أحد أعمدة المظلومية الكردية. وعليه، لا يمكن لأي مقاربة جادة للقضية الكردية أن تتجاهل هذا البعد الجوهري، أو تختزلها في إجراءات رمزية أو ثقافية معزولة عن جذور الصراع الحقيقية.
وفي السياق ذاته، لا يمكن تجاوز قضية الحزام العربي، التي جرى بموجبها الاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية العائدة للكرد وتوزيعها على وافدين من مناطق أخرى. هذه القضية لا تسقط بالتقادم، ومعالجتها تتطلب إعادة الحقوق إلى أصحابها ضمن إطار قانوني عادل ومنصف.
رغم الترحيب الحذر الذي قوبل به المرسوم، إلا أنه يشكّل خطوة إيجابية يمكن البناء عليها، لكنه غير كافٍ بحد ذاته. فالحقوق لا تُصان بالمراسيم وحدها، بل عبر عقد اجتماعي جديد ودستور ديمقراطي لا مركزي، نابع من حوار وطني شامل تشارك فيه جميع المكوّنات دون إقصاء.
ولا يمكن اختزال القضية الكردية، المتراكمة منذ عقود، في مراسيم إدارية مهما بلغت أهميتها. فالحل الحقيقي يمر عبر حوار وطني جاد بين السلطة الانتقالية وممثلي الشعب الكردي الحقيقيين، ويُنظر إلى الوفد الكردي المشترك المنبثق عن كونفرانس 26 نيسان بوصفه إطارًا تمثيليًا قادرًا على نقل المطالب الكردية ضمن رؤية وطنية جامعة.
كما لا يمكن الحديث عن سوريا جديدة دون مشاركة فعلية للكرد في بنائها، من خلال تمثيل سياسي حقيقي داخل مؤسسات الدولة، يعكس دورهم الوطني ووزنهم الديمغرافي والتاريخي.
إن المعالجة الدستورية والتشريعية للمرسوم تمثل الضمانة الفعلية لاستمراريته، إذ تشكّل المبادئ فوق الدستورية التي تكرّس حقوق المكوّنات القومية والثقافية الركيزة الأساسية لأي حل دائم للقضية الكردية، ومن دونها يبقى خطر الالتفاف أو الإلغاء قائمًا.
ولا يمكن إغفال أن إصدار المرسوم جاء في ظل ظروف سياسية وعسكرية وضغوط إقليمية ودولية معقّدة، ما يثير مخاوف مشروعة من أن يكون خطوة تكتيكية لاحتواء المرحلة. غير أن تحوّله إلى وثيقة متداولة في الفضاء العام السوري يفرض التمسك به والبناء عليه ومواصلة النضال السلمي لتحقيق الحقوق الكاملة.
أما التصعيد العسكري الأخير في المناطق الكردية، فيُعد مؤشرًا خطيرًا على استمرار تغليب الحلول الأمنية والعسكرية على المسار السياسي، رغم الحاجة الملحّة لتهدئة شاملة تفتح الباب أمام الحوار. إن الاستمرار في هذا النهج لا يخدم وحدة سوريا، بل يوسّع الشرخ المجتمعي ويقوّض الثقة بين السوريين بعد أكثر من أربعة عشر عامًا من الحرب وعقود من الاستبداد.
كما لا يمكن فصل هذا التصعيد عن سياق أوسع من العمليات العسكرية التي شهدتها مناطق أخرى كالساحل والسويداء، وهي سياسة تضع السلطة أمام مخاطر جدية، أبرزها خسارة ثقة هذه المكوّنات وتعميق الانقسام المجتمعي. فمحاولة فرض الحل العسكري لكسر قسد لا تخدم العملية السياسية، بل تعقّدها وتدفع نحو مزيد من الاستقطاب.
ويزداد التشكيك في نوايا السلطة مع تزامن صدور المرسوم مع التصعيد العسكري والتحريض العنصري، لا سيما الصادر عن وزير الأوقاف. فلو صدر هذا المرسوم في سياق تهدئة حقيقية وقبل التصعيد، لكان له أثر شعبي أوسع، وربما ساهم في تخفيف الاحتقان والاستقطاب، وفتح أفق جديد لبناء الثقة بين المكوّنات السورية.
وعليه، فإن أهمية المرسوم تكمن في كونه خطوة إيجابية قابلة للبناء، لكن نجاحه يبقى مرهونًا بإرادة سياسية حقيقية تُترجم عبر حوار سياسي جاد ومستمر بين السلطة السورية والتمثيل الكردي الحقيقي، وفي مقدّمته الوفد الكردي المشترك. فالتجارب السابقة أثبتت أن الحلول الفوقية والجزئية سرعان ما تفقد مضمونها، بينما تبقى الحلول الوطنية التوافقية وحدها القابلة للاستمرار