عبداللطيف محمدامين موسى
في ظل التحولات الدراماتيكية والمستجدات المتسارعة التي تعصف بالمنطقة وسوريا على وجه الخصوص، والمرحلة المفصلية التي تواجه وجود الشعب الكوردي في سوريا، جاء الدور التاريخي والحاسم للمرجع الكوردستاني المتمثل بالرئيس مسعود بارزاني في دعم عملية الانتقال السلمي للسلطة في سوريا بشكلها الصحيح.
تجلى هذا الدور المفصلي في سعي جنابه الحثيث إلى ترجمة كافة المعاني والقيم الحقيقية للثورة السورية في دعم الحرية والديمقراطية والتشاركية والتعايش السلمي، وحماية حقوق الاقليات والمكونات السورية وفق الاطر الدستورية والمبادئ فوق الدستورية، وعلى مبدأ العدالة الانتقالية وحماية حقوق الانسان في سوريا.
كما جاء دوره مخالفا تماما للدور السلبي لبعض الدول الاقليمية التي حاولت الاستثمار في الملف السوري ورهن قضية شعبه بما يناسب خدمة اجنداتها ومصالحها، الامر الذي دفع ادارة ترامب الى تقييم هذه الجهود العظيمة للمرجع الكوردستاني ووضعها كاولوية في الاستفادة منها في خدمة الملف السوري، من خلال محاولة الاستفادة من الجهود السياسية والدبلوماسية والدور الكبير الذي لا يمكن الاستغناء عنه كعامل اساسي في بناء نظام الحكم في العراق وحفظه من التهديدات الداخلية والخارجية.
جاء الدور الكبير للرئيس مسعود بارزاني في سعيه الدؤوب ومحاولاته المتكررة في دعم قضايا الشعب السوري والكوردي، عبر الوقوف الى جانبه في دعم تحقيق تطلعاته في الحرية والديمقراطية منذ الايام الاولى للثورة السورية، من خلال دعم المعارضة السورية وتشجيعها على الاستفادة من تجربته الثورية الطويلة في مقارعة اقوى انظمة الاستبداد، وهو نظام البعث.
كما تمثلت جهوده الحثيثة في فتح الافق الدبلوماسي للمعارضة السورية في اروقة الدبلوماسية ومراكز القرار الاممي، رغم المعارضة الكبيرة وتزايد الضغوط الدولية والاقليمية الداعمة لنظام الاسد ومحور المقاومة، في محاولة لثني الرئيس بارزاني عن دعم تطلعات الشعب السوري، ومحاولة ايقاف جهوده الكبيرة في دفع الشعب الكوردي الى الوحدة الوطنية مع الشعب السوري، والعمل التشاركي في بناء سوريا ديمقراطية تعددية يتشارك فيها الجميع السلطة وادارة النفوذ.
ومع تغير الموازين والتطورات المتسارعة، ازداد هذا الدور بشكل كبير بعد رحيل الاسد، من خلال دعم المرجع الكوردستاني الكامل لجهود السلطة الانتقالية في دمشق، وتشجيعه ومباركته للرسائل الايجابية الصادرة عنها في دعم حقوق الاقليات والمكونات، ولا سيما الشعب الكوردي في سوريا الذي يعد القومية الثانية. كما ترجم موقفه الثابت في دعم وتشجيع محاولات السلطة الانتقالية للانتقال السليم للسلطة، عبر دعوته جميع ابناء الشعب السوري الى الوحدة الوطنية والتشاركية في بناء سوريا.
هذا الدور التاريخي للمرجع الكوردستاني لاقى الشكر والتاييد من قبل كافة الدول المشاركة في الملف السوري، ولا سيما ادارة ترامب التي شكرته عبر رسائل شخصية مباشرة من الرئيس ترامب، وكذلك من خلال زيارات مبعوثه الى اقليم كوردستان، وشكره لقيادته وعلى راسها المرجع الكوردستاني المتمثل بالرئيس مسعود بارزاني، على دوره الايجابي في دعم الاستقرار والامن وتعزيز قيم التعايش والتسامح، ودعم مسار العدالة الانتقالية وحماية حقوق الاقليات والمكونات السورية.
وقد تُرجم هذا الدور التاريخي في سعي المرجع الكوردستاني الدؤوب الى حلحلة كافة القضايا وتذليل اكبر الصعوبات والعقبات امام بناء سوريا مستقرة، عبر دعمه لمسار التفاوض بين قسد وسلطة دمشق المؤقتة، والذي تكلل بتوقيع اتفاقية العاشر من اذار، والتي عدت مكسبا تاريخيا لقوات قسد وفرصة تاريخية في حماية مكتسباتها، ودعم القضايا الوطنية والقومية للشعب الكوردي في سوريا عبر الدمج والمشاركة في سوريا الحديثة.
كما تكللت جهود سيادته في دعم حقوق الشعب الكوردي في سوريا عبر ايفاد مبعوثه الخاص الى قامشلي، والعمل على توحيد الخطاب الكوردي في سوريا، والذي انبثق عنه الوفد الكوردي المشترك للمطالبة بالحقوق القومية والسياسية للشعب الكوردي في سوريا عبر الحوار مع السلطة الانتقالية في دمشق.
وقد واجهت هذه الجهود ضغوطا ومصاعب كبيرة من بعض الدول الاقليمية، ولا سيما تركيا، في وضع العراقيل امام السلطة الانتقالية في سوريا، ورفض التفاوض وعدم استقبال الوفد الكوردي المشترك، ما حال دون فتح المجال امام هذه المبادرة لمناقشة حقوق الشعب الكوردي ضمن الاطر والاستحقاقات الدستورية في سوريا.
هذا الامر وضع مسار الاستقرار في سوريا على المحك، مع اتساع دائرة العنف الذي كاد ان يؤدي الى نزاع شامل، لولا تدخل الدول ولا سيما مبعوث ترامب، واستنجاده بالرئيس مسعود بارزاني للتدخل ومنع انزلاق سوريا الى عنف واقتتال داخلي طائفي وعرفي.
وقد تكللت جهود المرجع الكوردستاني في منع هذا الانزلاق بعقد اتفاقية قسد والسلطة الانتقالية في الثامن عشر من كانون الثاني، ولقاء سيادته مع مبعوث ترامب الراعي للعملية السياسية، واعادة بناء نظام الحكم في سوريا بالتنسيق مع قائد قسد ورئيس المجلس الوطني الكوردي في سوريا، حيث اعتبر هذا الاتفاق بمثابة خارطة طريق في نزع فتيل الازمة بين دمشق وقسد.
هذه الجهود لاقت اشادة كبيرة من مبعوث ترامب وفرنسا وعدد من الدول، وكذلك من الرئيس احمد الشرع عبر اتصالاته المباشرة والمتكررة مع المرجع الكوردستاني وتوجيهه الشكر له.
وبرأيي المتواضع، فان جهود المرجع الكوردستاني التي اسفرت عن اتفاق قسد والحكومة السورية تمثل انجازا كبيرا للسوريين، لما لها من تداعيات داخلية وخارجية في دعم الاستقرار والامن وتعزيز قيم التعايش والتسامح والديمقراطية في سوريا.
على الصعيد الداخلي، شكل هذا الاتفاق انجازا تاريخيا للشعب الكوردي في سوريا من خلال الاعتراف بوجوده وقضيته المشروعة، والحصول على حقوقه الثقافية واللغوية كمرحلة اولية لتعزيز نضاله من اجل حقوقه السياسية والقومية ضمن الاطر الدستورية في سوريا موحدة.
كما يعد هذا المكسب انجازا تاريخيا في ظل المتغيرات الاقليمية والدولية، ومحاولات تغيير خرائط المنطقة، والضغوط الرامية الى الحفاظ على سوريا موحدة مركزية. ويعتبر هذا الاتفاق برعاية المرجع الكوردستاني مكسبا غير مسبوق في مراعاة القضية القومية للشعب الكوردي، وترجم ذلك بدعم اصدار المرسوم 13، والاعتراف بالهوية الكوردية وحقوقها الثقافية واللغوية، والتعهد بالحقوق السياسية والقومية ضمن الاستحقاقات الدستورية.
لقد جاءت جهود المرجع الكوردستاني كحاجز امام تصاعد حملات التحريض الطائفي والعرقي، وقطعت الطريق امام تكرار المجازر والتصفيات العرقية التي عانى منها الشعب الكوردي في سوريا، وساهمت في منع تعميق الشرخ داخل المجتمع السوري.
كما شكل توحيد الخطاب الكوردي والوفد الكوردي المشترك، برعاية الرئيس بارزاني، لوحة رمزية لوحدة الموقف والمصير المشترك، ورسالة واضحة للدول الاقليمية والدولية بان الشعب الكوردي موحد ويمتلك رؤية وطنية وقومية مشتركة بقيادة مرجعيته العليا.
في المحصلة، يمكن القول ان جهود المرجع الكوردستاني المتمثل بالرئيس مسعود بارزاني ستبقى الضامن الحقيقي لتحقيق المكاسب القومية والوطنية للشعب الكوردي في سوريا، وداعما اساسيا لقيم التعايش والتسامح والديمقراطية والتشاركية، وحماية حقوق كافة الاقليات والمكونات السورية، ضمن اطار مشروع وطني سوري جامع يقرر فيه السوريون مصير دولتهم وشكل نظام الحكم.