سليمان سليمان
تمر الحركة الكوردية في روج آفاي كوردستان اليوم بإحدى أكثر مراحلها حساسية وتعقيدًا، بعد سلسلة من التطورات الميدانية والسياسية التي أفضت إلى نكسة واضحة، لم تقتصر آثارها على خسارة مواقع أو تراجع نفوذ، بل طالت الثقة بالمسار العام، وفتحت الباب أمام أسئلة عميقة تتعلق بطبيعة المشروع، وآليات اتخاذ القرار، وحدود الرهان على الخارج.
إن خطورة هذه المرحلة لا تكمن في حجم الخسارة بحد ذاتها، بل في طريقة التعامل معها: فإما أن تتحول النكسة إلى مدخل لمراجعة شجاعة ومسؤولة تعيد تصويب البوصلة الوطنية الكوردية، أو تهدر كغيرها من المحطات السابقة، ليعاد إنتاج الأخطاء ذاتها بأسماء وشعارات مختلفة.
من هنا، لا تنطلق هذه القراءة من موقع الإدانة أو التشكيك، بل من الإيمان بأن الحركة الكوردية لا تزال تملك فرصة حقيقية لإعادة بناء ذاتها على أسس أكثر صلابة، شرط الاعتراف بأن غياب المشروع القومي الجامع، واستفراد القرار السياسي، والارتهان المفرط للعوامل الخارجية، كانت من بين أبرز مكامن الضعف التي ساهمت في تعميق الأزمة الراهنة.
لقد شهدت المرحلة الأخيرة تراجعًا ميدانيًا وسياسيًا مؤلمًا، واختلالًا واضحًا في موازين القوى، إلى جانب خسارة جزء من المكتسبات التي تحققت بفضل تضحيات كبيرة قدمها الشعب الكوردي. وهذه الوقائع، مهما كانت قاسية، لا تعني نهاية الطريق، لكنها تفرض ضرورة إعادة التفكير في المسار المتبع، بعيدًا عن المكابرة أو الهروب إلى الأمام.
إن التاريخ الكوردي، بتجربته الطويلة والمليئة بالانتكاسات، يقدم درسًا واضحًا: ان الحركات السياسية التي لا تتعلم من أخطائها، محكوم عليها بتكرارها. ومن هذا المنطلق، يصبح من الضروري تشخيص الأخطاء السابقة بوضوح، سواء تعلق الأمر بإدارة الخلافات الداخلية، أو بأسلوب صناعة القرار، أو بالعلاقة مع القوى الإقليمية والدولية.
لقد كان استفراد بعض الأطراف بالقرار السياسي الكوردي، وتهميش قوى أخرى، أحد العوامل الرئيسية التي أضعفت الجبهة الداخلية. فالقرار الذي لا يقوم على التوافق الوطني، ولا يعكس التعدد السياسي والفكري داخل المجتمع الكوردي، يتحول مع الوقت إلى عبء بدل أن يكون مصدر قوة. إن وحدة الصف لا تبنى بالإقصاء أو الهيمنة، بل بالشراكة، والاعتراف المتبادل، واحترام الاختلاف ضمن إطار قومي جامع.
في هذا السياق، تبرز تجربة الحركة الكوردية في باشوري كوردستان كنموذج يمكن الاستفادة منه، لا بهدف استنساخه، بل لاستخلاص الدروس. ففي بدايات نضالها، رفعت الحركة هناك شعارًا سياسيًا واضحًا ومتماسكًا:
«الديمقراطية للعراق، والحكم الذاتي لكوردستان».
كان هذا الشعار واقعيًا ومنسجمًا مع موازين القوى في حينه، وشكل قاعدة سياسية جامعة التفت حولها مختلف القوى الكوردية، ما أتاح تراكمًا نضاليًا طويل الأمد أوصل التجربة، رغم أزماتها، إلى مستوى متقدم من الكيان السياسي.
انطلاقًا من ذلك، يبرز اليوم سؤال مصيري في روج آفاي كوردستان:
هل تستطيع الحركة الكوردية، بعد هذه النكسة، أن تتوافق على مشروع سياسي قومي جامع، يعكس متطلبات المرحلة الجديدة، ويشكل برنامج عمل ونضال مشترك؟
لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بمعزل عن مراجعة العلاقة مع الخارج. فقد أثبتت التجارب المتكررة أن الرهان المفرط على القوى الدولية والإقليمية رهان خاسر. فالدول لا تتحرك وفق مبادئ أخلاقية، بل وفق مصالح متغيرة، وعندما تنتهي هذه المصالح، لا تتردد في التخلي عن حلفائها، أو تركهم لمصيرهم أمام أعدائهم.
لقد دفع الشعب الكوردي ثمن هذا الوهم باهظًا في أكثر من محطة تاريخية. ومن هنا، يصبح الاعتماد على الذات الكوردية، وتعزيز الوحدة الداخلية، وبناء قرار سياسي مستقل، ضرورة لا خيارًا. فعندما نكون موحدين حول مشروع قومي واضح، لن نحتاج إلى التوسل لأي دولة كي تدعمنا، ولن نسمح لأحد باستخدامنا كأدوات مؤقتة في صراعاته، ثم التخلي عنا عند تغير الحسابات.
هذا لا يعني الانعزال عن العالم، بل يعني الانتقال من موقع الارتهان والضعف إلى موقع الندية والقرار المستقل. فالعالم يحترم القوى المتماسكة ذات المشروع الواضح، ولا يحترم الحركات المنقسمة المتنازعة.
إن المرحلة الراهنة تتطلب صياغة مشروع قومي جامع في روج آفاي كوردستان، يكون ثمرة توافق وطني كوردي شامل، لا تعبيرًا عن هيمنة طرف أو أيديولوجيا بعينها. مشروع يحدد الأهداف المرحلية والاستراتيجية، ويرسم إطارًا عامًا لبرنامج نضالي مشترك، ويضع مصلحة الشعب الكوردي فوق كل اعتبار حزبي أو فئوي.
إن هذا الخطاب لا يهدف إلى توزيع الاتهامات، ولا إلى تصفية حسابات سياسية أو أيديولوجية، بل هو نداء صريح إلى الحركة الكوردية بكل أطيافها، من أجل التوقف عند هذه اللحظة المفصلية، والتعامل معها بوصفها فرصة تاريخية للمراجعة وإعادة البناء، لا مجرد نكسة عابرة.
إن المطلوب اليوم ليس شعارات جديدة، بل مشروع قومي واضح المعالم، ينبثق من توافق وطني كوردي، ويعبر عن تطلعات الشعب، لا عن حسابات النخب. مشروع يعترف بالتعدد السياسي والفكري داخل المجتمع الكوردي، ويحوله من عامل انقسام إلى مصدر قوة، ضمن إطار قومي جامع لا يقصي أحدًا، ولا يحتكر الحقيقة أو القرار، وقادرًا في الوقت نفسه على حماية روج آفاي كوردستان من تكرار المآسي التي تعرض لها شعبنا في محطات سابقة .