عبدالرحمن كلو
بعيداً عن الحيثيات التفصيلية لعملية إعادة استحضار حزب العمال الكوردستاني (PKK) إلى الساحة السورية مع بدايات الأزمة، وتكليفه بإدارة “الملف الكوردي” من جانبه الأمني، يفرض الواقع السياسي الراهن -وما خلَّفته تراكمات الأحداث وتداعيات سلوك الفاعلين السياسيين على مدى السنوات السابقة- ضرورة حتمية لإعادة قراءة المشهد السوري بتمعُّن، والرجوع إلى جذوره لتفكيك لحظات نشوئه الأولى.
فقد برز الـ (PKK) كلاعب أساسي على الساحة الكوردية السورية بالتزامن مع ظهور تشكيلات عسكرية “وظيفية” متعددة الولاءات (أمريكية، روسية، تركية، إيرانية، وسورية). ولقد جاء دخول الحزب ليستلم زمام “الملف الكوردي” عبر تفاهمات ضمنية غير معلنة ومأجورة مع السلطة المركزية في دمشق، مدفوعةً بعقود نفطية وترتيبات أمنية، وتحت غطاء من التفاهمات الإقليمية المشتركة (السورية – الإيرانية – التركية) التي تقاطعت مصالحها حينذاك في إدارة المشهد وتوجيهه نحو مساحة المصالح المتبادلة لهذه الدول. حتى إن التواجد العسكري للـ PKK في “شنكال” لم يخرج عن كونه جزءاً من هندسة تلك التفاهمات الأمنية العابرة للحدود.
من “قسد” إلى المجلس الوطني: إشكاليات الارتهان والوظيفية
مع تعقيدات الأزمة السورية لاحقاً، وتعدد التدخلات الدولية (الروسية، الأمريكية، والإقليمية)، شهدت المنطقة ولادة مشروع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) كخطة عملياتية أمريكية بحتة ضمن استراتيجية التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب. وهنا تكمن الإشكالية الجوهرية؛ إذ بقيت “قسد” جسماً عسكرياً وظيفياً في المنظور الأمريكي، دون أن ترتقي هذه العلاقة إلى مستوى “الاعتراف السياسي” أو الشراكة الاستراتيجية المؤطرة، مما أبقى المشروع الكوردي رهيناً للمهام العسكرية والارتهان الميداني، دون أي غطاء سياسي دولي متماسك ذي علاقة بجوهر القضية الكوردية.
كما أن الجانب الآخر في المعادلة الكوردية لم يكن بأفضل حال من فريق “قسد” أو فريق منظومة الـ PKK؛ حيث اتسمت علاقة “المجلس الوطني الكوردي” بتركيا بكونها علاقة محكومة بالهواجس الأمنية التركية؛ إذ سعت أنقرة لتدجين هذا الطرف بما يضمن تحييد القضية الكوردية كتهديد للأمن القومي التركي. وفي هذا السياق، تراجعت الفاعلية السياسية للمجلس ليتحول إلى غطاء لممارسات وانتهاكات الفصائل الموالية لتركيا في المناطق المحتلة، وهو ما أضعف الحضور السياسي الكوردي، إن لم يكن قد تلاشى وتماهى تماماً في الحاضنة السياسية للائتلاف “السوري – التركي” المعارض وأذرعه العسكرية.
ولهذه الأسباب مجتمعة، كان وما زال الغياب السياسي للقضية الكوردية واقعاً فرضته تركيا، التي استطاعت -من خلال أدواتها في طرفي المعادلة- إزاحة القضية الكوردية من كونها “سؤالاً سياسياً” إلى مجرد “توازنات أمنية” أو “امتيازات وظيفية مؤقتة”. وحين تُحصر وظيفة الفاعل الكوردي في الإطار العسكري والأمني فقط، تتراجع السياسة إلى الخلف، وتتحول القضية الكوردية إلى ملف تفاوضي عسكري بين سلطات الأمر الواقع والدولة، لا إلى مشروع تسوية سياسية متكاملة.
اتفاق دمشق وقسد: غياب المنجز السياسي والبوصلة الوطنية
تعد التطورات الأخيرة المتعلقة بمسارات الدمج والتسوية بين دمشق و”قسد” مثالاً صارخاً على عودة منطق “إعادة دمج المؤسسات” كحل “إداري بصبغة سياسية” مفروض بإرادة خارجية. وبالتالي، سيبقى الاتفاق تفاهمًا أمنيًا ولن يرقى إلى مسار سياسي وطني يمس جوهر القضية الكوردية في سوريا، في ظل غياب ضمانات دستورية واضحة.
وتأسيساً على هذا المشهد الارتدادي، يتجلى غياب المنجز السياسي في التفاهمات الأخيرة بين “قسد” ودمشق كحصيلة حتمية لطبيعة الروابط التي نسجتها الأطراف الكوردية مع القوى الإقليمية والدولية (أنقرة، طهران، واشنطن، وموسكو). إذ انحبست هذه الروابط في قوالب “تقنية-وظيفية” قائمة على التنسيق الأمني، والمقايضات الميدانية، والضرورات العسكرية الصرفة، دون أن تتطور إلى شراكات استراتيجية مؤطرة بالاعتراف بالحقوق القومية والتاريخية.
إن هذا الاستعصاء يكرس قاعدة بنيوية مفادها أن المقدمات المفتقرة لـ “البوصلة السياسية” لا تُنتج إلا نتائج مرتهنة للميدان وتحولاته؛ وبما أن التحالفات القائمة على “المنطق الأمني والعسكرة” عاجزة بطبيعتها عن إنتاج حلول وطنية، فإن الاتفاق يظل نجاحاً جزئياً متعثراً يفتقر للضمانات الدستورية، ويبقي الجغرافيا السورية أسيرةً لدوامة الارتهان للمشاريع القومية التوسعية (الطورانية) التي تستهدف تفتيت كيان الدولة السورية والمجتمع على حد سواء.
التحدي التركي: القنبلة الموقوتة ومشروع “الميثاق المللي”
الخطر الأكبر على مصير الاتفاق -رغم هشاشته- لا ينحصر في نصوصه أو آلياته، بل يتمثل في السياسة التركية التي تتجه نحو إعادة تدوير واستثمار حضور الـ PKK في الشمال السوري بوصفه أداةً وظيفية لتقويض أي استقرار وطني، بما يخدم طموحًا قوميًا يتجاوز حدود الدولة السورية ومعادلاتها الداخلية.
وفي هذا السياق، يتجسد الدور التركي كـ «قنبلة موقوتة» مزدوجة تربط المسألة الكوردية في سوريا بمسار اتفاق (بهجلي–أوجلان) المتعثر؛ إذ يُستثمر هذا التعثر كوقودٍ لاستدامة الصراع وتكريس «الفوضى الوظيفية». فميدانيًا، يتمثل طرف الانفجار الأول في الفصائل العسكرية الموالية لتركيا التي ترفض الاندماج في أي بنية وطنية سورية، فيما يتمثل الطرف الثاني في استمرار هيمنة كوادر «قنديل» على قرار «قسد»، بما يبقي المشهد السوري مفتوحًا على احتمالات تفجر متكرر، ويضع الحقوق الكوردية في مدار التجاذبات والرهانات التركية بدل تثبيتها ضمن مسار سياسي وطني مستقر.
الدليل القاطع: “بيشمركة روج” وأجندات قنديل
إن الموقف الرافض الذي أبدته “قسد” تجاه دخول قوات “بيشمركة روج”، حتى في أحلك الظروف الميدانية، يعدُّ دليلاً قاطعاً على أولويات القيادة الحقيقية داخل “قسد” (المرتبطة بآيديولوجيا قنديل)؛ حيث فضلت الهيمنة الأحادية تنفيذاً لأجندات تركية لا تخدم الطموح التحرري الكوردي بقدر ما تخدم المعادلات الإقليمية التقليدية الخاصة بالدول التي تتقاسم كوردستان. هذا السلوك أدى بالنتيجة إلى “اختطاف” القضية الكوردية وتحجيمها في إطار خلافات عسكرية وظيفية مع دمشق، بدلاً من أن تكون قضية شعب وحقوق وطنية ودستورية.
مآلات الاتفاق: هندسة التصفية والدور الإيجابي لإقليم كوردستان.
أمام هذا المشهد السياسي المستجد، وتحديداً عقب الاتفاق النهائي الذي أُبرم بين “قوات سوريا الديمقراطية” وحكومة دمشق، يبدو أن حزب الـ (PKK) قد نجح إلى حد بعيد في هندسة مسار أفضى إلى تصفية القضية الكوردية في سوريا وتحويلها من قضية حقوق وطنية لشعب إلى مجرد ملف أمني وإداري، تماماً كما جرى في شمال كوردستان (تركيا) عبر صفقات الاندماج المجتمعي ومسار “اتفاق بهجلي – أوجلان”.
ولا يمكن قراءة هذا التحول الجذري بمعزل عن الدور التركي؛ إذ عملت أنقرة كعرّاب غير مباشر لهذه النتيجة من خلال إدارتها لـ “الفوضى الوظيفية”، حيث كانت خيوط طرفي الصراع —سواء الميليشيات المنضوية تحت مظلة الجيش السوري أو قيادات الـ PKK التي تدير العمليات الميدانية— تتحرك ضمن استراتيجية تخدم في المحصلة الأهداف التركية لتقويض الطموح القومي الكوردي.
ومع ذلك، يبرز جانب إيجابي وحيد ضمن هذا الاتفاق، يتمثل في الانفتاح الاضطراري لدمشق على “الحالة الكوردية”، وإن كان هذا الانفتاح قد حُصر في إطاره الثقافي المتمايز دون الاعتراف بها كقضية سياسية لشعب يعيش على أرضه التاريخية. والمفارقة هنا أن هذا الاعتراف الجزئي بالخصوصية الثقافية لم يكن ثمرة لمطالب “قسد”، التي تمسكت حتى اللحظة الأخيرة بشعارات “شمال شرق سوريا” و”الأمة الديمقراطية”، بل كان نتيجة مباشرة للضغوط الأمريكية والفرنسية، والدور الدبلوماسي الوازن لقيادة إقليم كوردستان والزعيم مسعود بارزاني.
آفاق المستقبل: بين “توازن القلق” ومخاطر الانقلاب البنيوي
بالنظر إلى مآلات هذا الاتفاق، يجب الإقرار بأن الانتقال من “عقلية الميليشيا” إلى “منطق الدولة” نادراً ما يكون مساراً خطياً آمناً، لا سيما في بيئة تعج بأطراف تقتات وجودياً على استدامة الصراع. نحن اليوم أمام حالة من “توازن القلق”؛ فاتفاق دمشق-قسد لم يولد نتيجة قناعة وطنية راسخة، بل كان نتاج “تقاطع ضرورات” آنية، مما يجعله عرضة لتهديدات وجودية تتجاوز نصوصه المكتوبة إلى السياقات الإقليمية والبنيوية المحيطة به.
ولعل الخطر الأبرز الذي يهدد بنسف هذا المسار يكمن في علاقة “الأواني المستطرقة” بين الديناميكيات الداخلية لـ “قسد” والمسار السياسي المتعثر في تركيا (مبادرة بخجلي-أوجلان). إذ تشير المعطيات إلى وجود “ارتباط عضوي” بين الجناح الصقوري في جبل قنديل وبين مفاصل القرار داخل “قسد”، حيث ينظر هذا التيار إلى أي اندماج حقيقي في بنية الدولة السورية بوصفه تهديداً لمشروعه “العابر للحدود” وتجريداً لنفوذه لصالح الكوادر المحلية. وعليه، فإن أي انسداد في الأفق السياسي داخل تركيا، أو استمراراً لعزلة أوجلان، سيُترجم ميدانياً عبر محاولات لـ “تفخيخ الاتفاق من الداخل”، سواء بافتعال مناوشات حدودية تحرج الضامنين، أو عبر “انقلاب صامت” يُبقي الهيكلية الأمنية الموازية عصية على التفكيك، محولاً الاتفاق إلى مجرد “منصة لوجستية” تفتقر للسيادة الفعلية.
وعلى الضفة الأخرى، تبرز “المفارقة الجدلية” في تقاطع المصالح بين النقيضين: تركيا وتيار قنديل. فرغم العداء الظاهر، يلتقي الطرفان عند نقطة مركزية واحدة وهي “منع استقرار العلاقة بين الكورد ودمشق”. فتركيا، المسكونة بهاجس “الميثاق المللي”، ترى في أي كيان كوردي مستقر -ولو ثقافياً- تهديداً لأمنها القومي، ولذلك فهي تستثمر في “الفوضى الوظيفية” عبر تحريك أدواتها الميدانية لزعزعة الثقة بالاتفاق. ويقابله تيار قنديل الذي يرى في استمرار التوتر وقوداً لشرعيته الثورية. هذه الثنائية المعطلة تخلق بيئة خصبة لتدخلات أخرى، كمساعي “الحرس القديم” في دمشق وبتحريض من تركيا للتنصل من الاستحقاقات الثقافية والعودة لسياسة الإخضاع الأمني، عبر تحريك العشائر لضرب الاستقرار.
في المحصلة، ورغم الجهود الدبلوماسية الكابحة التي يقودها إقليم كوردستان لعزل القضية السورية عن الصراعات الإقليمية، يبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات الانفجار. ويجد الكوردي السوري نفسه ضحية مزدوجة: مرة لذهنية دمشق المركزية التي تتحين الفرص للانقضاض على الاتفاق، ومرة أخرى لارتهان قيادات “قنديل” لأجندات خارجية لا تقيم وزناً لمصالح قامشلو وعفرين وكوباني. إن مستقبل هذا الاتفاق مرهون بفك هذا الارتباط العضوي المعقد، وإلا فإن المنطقة مقبلة على إعادة تدوير للمأساة بصيغ أكثر تعقيداً.