د. محمود عباس
الحلقة الأولى من سلسلة تحليلية..
لم يعد الصراع في العالم اليوم يدور بين دولٍ وأنظمةٍ فقط، بل بين نماذج حكم ورؤى مختلفة لإدارة القوة والنفوذ. وفي قلب هذا التحوّل، تبرز الولايات المتحدة لا بوصفها حارسًا للنظام الدولي القديم، بل لاعبًا يعيد تعريف قواعده. من هنا، لا يمكن فهم دونالد ترامب خارج هذا السياق البنيوي الأوسع، ولا قراءة سياساته بوصفها مجرد مواقف شخصية أو نزعات خطابية عابرة.
لا يُنظر إلى دونالد ترامب اليوم بوصفه رئيسًا أميركيًا مثيرًا للجدل أو ظاهرة شعبوية طارئة، بل يُقرأ باعتباره التجسيد الأوضح لتحوّل عميق جارٍ في بنية الدولة العميقة الأميركية نفسها. فالرجل الذي يُقدَّم على أنه متمرّد على المؤسسة، يقف في الواقع في قلبها، ممثّلًا نسختها الأحدث، أي الدولة العميقة العصرية، التي لا تُدار بمنطق القيم، ولا تُقاس بمعايير التحالفات الأخلاقية، بل تُحكم بقواعد السوق، ومنطق الصفقة، وحساب الربح الصافي، في الحاضر وما بعده.
ضمن هذا التحوّل المستمر، تتراجع السياسة الخارجية الأميركية عن أي التزام فعلي بالديمقراطية أو بحقوق الشعوب، لتتحول أكثر فأكثر إلى أداة لإعادة توزيع النفوذ الاقتصادي، وابتزاز الدول، وإدارة الصراعات بما يخدم الشركات العملاقة ومراكز المال العابرة للحدود. ومن هذا الموقع، لا تبدو مواقف ترامب المتناقضة، ولا صمته الانتقائي عن الاستبداد والتطرّف، ولا حروبه الاقتصادية المتصاعدة، نزوات شخصية أو فوضى خطابية، بل سياسة متماسكة تُمارَس في الحاضر، وتتهيأ للتمدد في المستقبل، وتؤشر إلى انتقال الإمبراطورية الأميركية من إدارة العالم بخطاب الديمقراطية، إلى إدارته ببرودة الحسابات ومنطق القوة الاقتصادية.
لأول مرة أرى شخصية دونالد ترامب السياسية في أحد أكثر تجلياتها اكتمالًا ودهاءً، وذلك في لقائه الصحفي مع رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، الذي جرى في منتجعه مارا لاغو بولاية فلوريدا بتاريخ 30/12/2025م. لم يكن ترامب هناك ذلك السياسي الفجّ الذي اعتاد أن يصدم خصومه قبل حلفائه بعفويته الصاخبة، بل بدا متحفظًا، محسوب الكلمات، مراوغًا للأسئلة، أقرب إلى السياسي التقليدي منه إلى الشخصية الشعبوية التي صنعت شهرته. كان يختار الصمت حيث اعتاد الإفصاح، ويتفادى الإجابة حيث كان يندفع بلا حساب.
هذا التحفظ لم يكن عابرًا، بل ظهر بوضوح عند الأسئلة المتعلقة بتركيا وأردوغان، ودور الأخير في دعم التنظيمات الإرهابية التي حلّت محل النظام السوري البعثي المجرم، وكذلك في الصراع القائم بين أنقرة وإسرائيل. هنا تعمّد ترامب التعتيم، لا على الدور التركي فحسب، بل أيضًا على الدور الروسي المتواطئ والمتعاون مع أنقرة في إعادة تشكيل المشهد السوري، في تكتيك يتعارض مع ما كان متفقًا عليه أميركيًا بشأن حماية إسرائيل والقضاء على أدوات إيران في سوريا آنذاك. وحدها إيران خرجت من هذا الصمت النسبي، إذ لم يُخفِ ترامب تباهيه بدوره في المواجهة معها وقصفها، بينما ظل حذرًا في مقاربة باقي ملفات المنطقة.
في المقابل، عاد ترامب إلى لغته المفضلة، لغة التباهي الصريح، حين تحدث عن دعمه المطلق لإسرائيل، وعن غزة والجولان، وعن “إنقاذ إسرائيل” كما وصفه، مدّعيًا أنه لولاه لما كانت إسرائيل اليوم على ما هي عليه، ولما كان نتنياهو في موقعه. هذا الخطاب، الذي شكّل إحدى السمات الأبرز لشخصيته السياسية، كان أقرب إلى استعراض القوة منه إلى منطق الدولة، وهو ما أرعب رؤساء دول، وأسّس لنمط جديد من الصراعات في العالم، لا يقوم على المدافع والدبابات، بل على الحروب الاقتصادية.
يتباهى ترامب بأنه أوقف العديد من الحروب العسكرية، لكنه يتناسى، أو يتجاهل، أن الحروب الاقتصادية لا تقل رعبًا ولا دمارًا عن الحروب الكلاسيكية. فهي، وإن لم تترك جثثًا في الشوارع، تخلّف مجاعات صامتة، وأوبئة اجتماعية، وكراهية متصاعدة بين الشعوب، وتفككًا داخليًا يقود إلى حروب أهلية، ودمارًا طويل الأمد لا يقل فتكًا عن القنابل.
الصراعات الجارية في العالم اليوم، بشكل مباشر أو غير مباشر، تتأثر بما يقوله ترامب أو بما يقرره الموقف الأميركي. ففي الشرق الأوسط، لم يعد معيار القيم الإنسانية، ولا حقوق الشعوب، ولا حماية المكونات، ولا حتى النظام الديمقراطي، هو المحدِّد للسياسة الأميركية، بل ميزان الأرباح والخسائر. تلك هي استراتيجية الدولة العميقة العصرية، التي لا تلغي الدولة العميقة الكلاسيكية، لكنها تعيد تشكيلها وتفريغها من مضمونها الأخلاقي.
بهذا المعنى، لا يقف ترامب في مواجهة العالم بوصفه شخصًا أو رئيسًا فقط، بل بوصفه تعبيرًا عن مرحلة جديدة تُدار فيها السياسة الدولية بمنطق الصفقة لا العدالة، وبميزان السوق لا القيم. والخطر هنا لا يكمن في حدّة الخطاب أو صداميته، بل في تحويل العالم إلى مساحة مفتوحة للمقايضة، تُستهلك فيها المبادئ حين تعيق الربح، وتُعاد صياغة النفوذ على حساب استقرار الشعوب ومستقبل النظام الدولي ذاته.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
31/12/2025م