سليمان سليمان
في خضم الجدل الواسع الذي رافق ما جرى بين الجولاني ووفد الإدارة الذاتية، ومع تصاعد المواقف المتباينة بين مؤيد ورافض، تبدو الحاجة ملحة اليوم إلى مقاربة سياسية هادئة ومسؤولة، لا تنطلق من منطق الهجوم المسبق على أي تفاهم، ولا من منطق الدفاع الأعمى عنه، بل من قراءة واقعية تأخذ بعين الاعتبار تعقيدات المرحلة وحساسية اللحظة السياسية التي تمر بها سوريا عمومًا، والمناطق الكوردية على وجه الخصوص.
من الواضح أن ما تم التوصل إليه لا يرقى إلى مستوى طموحات الشعب الكوردي، ولا يعكس حجم التضحيات الهائلة التي قدمها الكورد خلال سنوات الحرب، من آلاف الشهداء والجرحى، ولا يلبي بصورة مباشرة المطالب السياسية العادلة التي ما زال شعبنا يتمسك بها، وفي مقدمتها الاعتراف الدستوري، والحقوق القومية، والضمانات القانونية الواضحة.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن السياسة، وخصوصًا في لحظات الانتقال المعقدة، لا تدار دائمًا بمنطق الحد الأقصى من المطالب، بل غالبًا ما تبنى على خطوات جزئية وتراكمية، قد تبدو محدودة في ظاهرها، لكنها قد تفتح مسارات جديدة إذا أُحسن التعامل معها، وإذا جرى التعامل معها كجزء من عملية طويلة النفس، لا بوصفها نتيجة نهائية أو تسوية مغلقة.
من هذا المنطلق، يمكن النظر إلى هذا التفاهم، على محدوديته وغموض بعض جوانبه، بوصفه خطوة في اتجاه قابل للتطوير، لا بوصفه إنجازًا نهائيًا يغلق باب المطالب، ولا في المقابل تنازلًا حاسمًا أو تفريطًا بالحقوق الوطنية للكورد. فالحكم على أي اتفاق لا يكون فقط من خلال نصه الأولي، بل من خلال ما يفتحه من إمكانيات سياسية لاحقة، ومن خلال ميزان القوى الذي سيتشكل حوله.
وتزداد أهمية اعتماد مقاربة متوازنة في ظل المعطى السياسي المتمثل في أن الرئيس مسعود البارزاني كان على اطلاع على تفاصيل هذا المسار، وفق ما هو متداول، قبل الاتفاق وبعده، وهو ما يدفع إلى التعامل مع ما جرى باعتباره جزءًا من عملية سياسية أوسع، لا محطة معزولة أو خطوة ارتجالية. هذا المعطى، سواء اتفق معه أو لا، يفرض قراءة أكثر هدوءًا، ويحد من منطق التخوين أو القطيعة السياسية.
إن الأمل بأن يكون هذا الجزء من التفاهم مقدمة لمراحل لاحقة أكثر جدية في مقاربة القضية الكوردية في سوريا، يظل أملًا مشروعًا، لا سيما إذا اقترن بعمل سياسي منظم، وبموقف كوردستاني وطني مسؤول، يحفظ سقف المطالب ولا يفرط به، ويحول أي تفاهم جزئي إلى رافعة ضغط سياسي، بدل أن يتحول إلى سقف نهائي منخفض.
في المقابل، فإن حالة عدم الرضا السائدة لدى قطاع واسع من جماهير شعبنا مفهومة ومشروعة، ولا يجوز التقليل من شأنها أو التعامل معها بفوقية. فالكثير من الكورد كانوا يأملون بتحقيق خطوات أوسع وأكثر وضوحًا في ملف الحقوق السياسية والقانونية، بعد كل ما جرى من تضحيات، وبعد الدور المحوري الذي لعبه الكورد في محاربة الإرهاب وفي حماية مناطقهم.
لكن النقد المطلوب اليوم يجب أن يكون نقدًا سياسيًا موضوعيًا، يركز على مضمون البنود، وعلى آليات التنفيذ والضمانات، وعلى ما سوف يُنجز لاحقًا بقدر ما يركز على ما هو معلن اليوم، لا نقدًا انفعاليًا يهدف إلى الهدم، أو إلى تعميم اليأس داخل الشارع الكوردي، ولا إلى تحويل أي اختلاف في التقييم السياسي إلى صراع داخلي يضعف الموقف الكوردي بدل أن يقويه.
وفي السياسة، كثيرًا ما يكون تحقيق الممكن مدخلًا لتحقيق الأهم لاحقًا. فكما يقال:
«عصفور في اليد خير من عشرة على الشجر»،
حين يكون هذا العصفور جزءًا من مسار قابل للبناء عليه، لا بديلًا دائمًا عن الحقوق، ولا ذريعة للتراجع أو القبول بالأمر الواقع.
لهذا، فإن الموقف الأكثر مسؤولية في هذه المرحلة لا يتمثل في تبني الاتفاق كما هو، ولا في رفضه بالمطلق، بل في التعامل معه بوصفه خطوة أولى قابلة للتطوير، تقاس قيمتها الحقيقية بما ستحققه لاحقًا لشعبنا، وبمدى اقترابها من طموحات الكورد، ومن حقوق آلاف الشهداء والجرحى الذين مهدوا بدمائهم أي مسار سياسي قائم اليوم.
في النهاية، يبقى من المبكر إطلاق أحكام نهائية على تفاهم لم يدخل بعد حيز التنفيذ. فالاتفاق، رغم جزئيته ونواقصه، لا يمكن تقييمه إلا من خلال ما سيفضي إليه عمليًا في المرحلة المقبلة، خصوصًا في ظل غياب الثقة بالطرف المقابل. وحدها الوقائع القادمة ستحدد إن كان ما جرى خطوة قابلة للبناء، أم مجرد محطة عابرة.