اللغة الكوردية من حق ثقافي إلى معركة وجود

زاكروس عثمان

لم تكن اللغة الكوردية يومًا مجرّد وسيلة تواصل، بل كانت – ولا تزال – ساحة صراع سياسي مفتوح. فمنذ تصنيع الدولة السورية، تعاملت الحكومات المتعاقبة مع اللغة الكوردية باعتبارها خطرًا مؤجَّلًا، لا لأن الكوردية تهدد “وحدة الدولة”، بل لأنها تذكّر هذه الدولة بطابعها القسري وبأنها لم تتشكل على أساس تعاقد حر بين مكوناتها.

لهذا لم تتغير سياسة محاربة الكوردية رغم تغيّر الأنظمة من حكومات ما بعد الاستقلال، إلى البعث والبعث الأسدي، وصولًا إلى سلطة الأمر الواقع الحالية ذات الخلفية السلفية–الشوفينية، تغيرت الشعارات، لكن المنهاج بقي واحدًا، لغة واحدة، ذاكرة واحدة، مواطن واحد على مقاس السلطة.

ـ احمد الشرع وخدعة الاعتراف الشكلي

اصدر الرئيس السوري المؤقت احمد الشرع مؤخرا المرسوم رقم 13 لعام 2026 تضمن الاعتراف باللغة الكوردية كلغة وطنية في سوريا، (يسمح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة، في المناطق التي يشكل فيها الكورد نسبة سكانية ملحوظة، كجزء من المناهج الاختيارية او نشاط ثقافي تعليمي) وهو بذلك وفي نفس المرسوم ينسف قيمة اعترافه باللغة الكوردية، حين يحولها إلى مادة اختيارية او مجرد نشاط ثقافي فائض عن اللزوم، الطالب حر في ممارسته او لا، وهذا يكشف ان الجولاني ليس صادقا في اعترافه باللغة الكوردية، لأن اعترافه بها ترافق مع شن قواته التكفيرية  الهجوم على الكورد وارتكاب المذابح بحقهم،  وحتى يزين وجه نظامه امام القوى الدولية التي تراقبه، اصدر المرسوم سالف الذكر الذي اختزل فيه قضية كوردستان Rojava في بضعة حقوق ثانوية، ولم يكن اعترافه بالكوردية خطوة متقدمة، بل إعادة إنتاج لسياسات الإنكار بوسائل أكثر نعومة.

 فالاعتراف باللغة الام الذي لا يُترجم إلى لغة تعليم أساسية، مناهج علمية بالكوردية تدرس في المدارس الجامعات والمعاهد، هو اعتراف فارغ، أشبه بوضع اللغة في المتحف بدل المدرسة. إن السماح بتدريس الكوردية كمادة اختيارية، في ظل فرض منهاج عربي كامل، يعني عمليًا إبقاء اللغة الام في الهامش وتحويلها إلى نشاط جانبي، لا علاقة له ببناء العقل أو تشكيل الوعي.

في هذا الصدد يبدو واضحا ان نظام الشرع يطبق نسخة طبق الاصل من النموذج التركي في محاربة اللغة الكوردية, والذي أثبت نجاحه في إنتاج أجيال كوردية منقطعة عن لغتها الأم نتيجة تعرضها لسياسة التتريك في المدارس والجامعات، وتسير السلطة المؤقتة على خطى تركيا في محاربة الكوردية وتطبيق سياسة التعريب من خلال مختلف المؤسسات التعليمية. 

ـ التعليم القسري بلغة غير اللغة الأم عنف معرفي منظم

من منظور تربوي ونفسي، فإن فرض لغة غير اللغة الأم على الطفل في المراحل الأولى ليس مجرد خطأ تعليمي، بل عنف معرفي مبكر، الطفل الكوردي الذي يدخل المدرسة بلغة تركية او عربية مفروضة لا يستوعب المفاهيم، بل يحفظها، لا يفكر، بل يكرر، يتعلم الخضوع قبل أن يتعلم السؤال، وهذا ينعكس لاحقًا على ضعف التحصيل العلمي، ارتفاع التسرب المدرسي، نشوء علاقة عدائية صامتة مع المدرسة والدولة، بكلمات أخرى سياسات التعريب و التتريك لم تفشل تربويًا، بل نجحت سياسيًا في إنتاج مواطن مكسور لغويًا مشوَّه الهوية.

ـ اللغة التي لا تُدرَّس بها العلوم ليست لغة أمة.

اللغة التي لا تدخل مختبر الفيزياء، ولا تشرح بها معادلات الرياضيات، ولا تُكتب بها الفلسفة والتاريخ، ليست لغة سيادية، لهذا فإن اختزال الكوردية في “كتيب تعليمي بائس” هو قرار سياسي واعٍ، هدفه إبقاء اللغة في مستوى الفولكلور، لا المعرفة.

فاللغة الحية هي التي تُنتج مصطلحات، تُدرَّس بها العلوم، تُستخدم في البحث الجامعي، اما غير ذلك هو مجرد سماح مؤقت بالكلام، لا اعتراف بالوجود.

ـ التجربة الدولية الدولة القوية لا تخاف من اللغات

لا توجد دولة تفككت لأنها احترمت لغات شعوبها، بينما تفككت – أو تعفنت – دول كثيرة لأنها حاولت صهر الجميع في لغة واحدة.

التجارب المقارنة (سويسرا، إسبانيا، فنلندا) تثبت أن التعليم باللغة الأم لا يهدد الدولة، بل يخلق مواطنًا واثقًا، أقل عداءً، وأكثر اندماجًا.

أما الدول التي حاربت لغات شعوبها، فقد بنت وحدتها على القسر لا على الرضا، وعلى الخوف لا على الشراكة.

وحيث ان الانظمة المتعاقبة على الحكم في سوريا تمتلك نفس السياسة العروبية الشوفينية التي تلغي الكورد ولغتهم الام، على المفاوض الكوردي ان يضع مختلف المسائل السياسية والاقتصادية … الخ في سلة وان يضع قضية اللغة الكوردية في سلة منفصلة، ويخصص لها فريق خاص يفاوض النظام السوري، بكلام آخر يجب تحويل مسالة اللغة الكوردية من مطلب ثقافي إلى شرط تفاوضي غير قابل للمساومة، لهذا، فإن على الوفد الكوردي المفاوض ألا يتعامل مع ملف اللغة بوصفه ملفًا ثقافيًا ثانويًا، بل شرطًا تأسيسيًا لأي اتفاق سياسي.

ان المطلوب ليس جعل الكوردية مادة اختيارية، ولا اعترافًا رمزيًا بها بل منهاج كامل بالكوردية من الصف الأول الابتدائي حتى التعليم العالي، إعداد معلمين، مؤسسات إعلامية وثقافية باللغة الكوردية، وضمانات مكتوبة وموقعة، إدراج هذا الحق كمادة ما فوق دستورية، لأن الحقوق الطبيعية – وعلى رأسها حق التعلم باللغة الأم – لا تُستمد من الدساتير، بل من كون الإنسان إنسانًا.

ـ المعركة على اللغة هي معركة على المستقبل

ما يجري اليوم ليس نقاشًا حول لغة تعليم، بل محاولة لإدارة الإبادة اللغوية بهدوء.

فالدولة التي تفرض لغتها على الطفل منذ الصف الأول، تعلم جيدًا أنها لا تحتاج إلى السلاح لاحقًا، ان التعليم باللغة الكوردية ليس مطلبًا قوميًا متشددًا، بل شرط الكرامة، وشرط المواطنة، وشرط أي تعايش حقيقي في سوريا المستقبل، وأي اتفاق لا يتضمن ذلك بوضوح مكتوب وضمانات تنفيذ، لن يكون سوى استراحة قصيرة في مسار طويل من الإنكار.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…