عبدالباقي جتو
قد يبدو هذا الرأي متأخراً أو خارج سياقه الزمني، إلا أن ما نشهده حتى اليوم من أحداث دامية، ومقاطع مصوّرة مؤلمة، إلى جانب الحوارات المتقطعة بين كلٍّ من الإدارة الذاتية والمجلس الوطني الكردي من جهة، ووفود الحكومة السورية الانتقالية من جهة أخرى، يفرض علينا التوقف أمام سؤال مركزي: لماذا فشلت السياسة في سوريا، وبشكل خاص في التجربة الكردية؟
برأيي، لم تُهزم الثورات والانتفاضات السورية بسبب ضعف مطالبها أو غياب التضحيات، بل بسبب عجز السياسة المدنية عن التحوّل إلى سلطة في لحظة انهيار الدولة. فمع تفكك المؤسسات وتحول الصراع إلى نزاع مسلح متعدد الأطراف، لم يعد السؤال مرتبطاً بالشرعية أو العدالة، بقدر ما أصبح متعلقاً بالقدرة على الحكم وملء الفراغ. وفي مثل هذه اللحظات، لا تنتصر القيم بالضرورة، بل تنتصر القوى القادرة على فرض واقعها.
التجربة الكردية: السياسة في مواجهة الأمر الواقع
تتجلى هذه الإشكالية بوضوح في الحالة الكردية السورية، حيث تزامن انسحاب السلطة المركزية – سواء نتيجة توازنات داخلية أو تفاهمات دولية غير معلنة – مع صعود قوى منظمة تمتلك السلاح والانضباط، وفي مقدمتها حزب العمال الكردستاني، مقابل تراجع النخب السياسية المدنية المتمثلة بأحزاب المجلس الوطني الكردي، التي امتلكت خطاباً تمثيلياً، لكنها افتقرت إلى أدوات الفعل السياسي على الأرض.
وبين مشروع الإدارة الذاتية والمجلس الوطني الكردي، انكشف خلل أعمق لا يخص طرفاً بعينه، بل يطال مفهوم السياسة ذاته في زمن الحرب، حيث لم يعد الخطاب وحده كافياً دون القدرة على تحويله إلى سلطة فعلية.
عندما تخاف النخب من الحكم
أكبر إخفاق للنخب المدنية، سواء في الحالة السورية عموماً أو الكردية خصوصاً، لم يكن في سوء النية، بل في الخوف من تحمّل مسؤولية السلطة. فقد فضّلت هذه النخب البقاء في موقع المعارضة الأخلاقية، والاكتفاء بالنقد والتنديد ورفع سقف الشرعية، بدلاً من الانخراط في صراع معقّد يتطلب قرارات صعبة وتسويات مؤلمة، وتحمل أعباء الحكم في ظروف غير مثالية.
وفي لحظات الفراغ، لا تبحث المجتمعات عن الخطاب الأجمل، بل عن الجهة القادرة على تأمين الحد الأدنى من الأمن والاستقرار والخدمات. وحين تعجز النخب عن تقديم ذلك، فإنها، بوعي أو بدونه، تترك المجال مفتوحاً أمام قوى الأمر الواقع، لتقصي نفسها بنفسها من المعادلة السياسية.
السلاح لا ينتصر لأنه محق… بل لأنه حاضر
لم تنتصر القوى المسلحة في سوريا لأنها الأكثر تمثيلاً أو شرعية، بل لأنها كانت حاضرة ومنظمة حين غابت الدولة. في المقابل، تعاملت النخب المدنية مع السياسة بوصفها موقفاً أخلاقياً مجرداً، لا فعلاً سلطوياً يتطلب إدارة القوة والصراع.
وفي هذا السياق، يتحول التفوق الأخلاقي إلى عبء لا إلى رصيد، لأن السلاح لا ينتظر الإجماع، ولا يحتاج إلى بيانات تأييد، بل يفرض نفسه كحقيقة يومية. ومن يرفض فهم هذه القاعدة، لا يخرج من المشهد نقيّاً، بل يخرج بلا تأثير.
المأزق الكردي: حكم الواقع مقابل شرعية مؤجّلة
في التجربة الكردية السورية، عبّرت الإدارة الذاتية عن منطق “الحكم الآن”، بينما عبّر المجلس الوطني الكردي عن منطق “الشرعية المؤجّلة”. دخل الأول مغامرة السلطة بكل تناقضاتها وكلفها السياسية والأخلاقية، ففرض نفسه لاعباً لا يمكن تجاهله. أما الثاني، فحافظ على خطابه التمثيلي، لكنه بقي أسير الانتظار، عاجزاً عن تحويل شرعيته إلى نفوذ فعلي داخل المجتمع.
حيث لا تزال ممارسات حزب الاتحاد الديمقراطي تعكس إشكالية العلاقة بين العمل الحزبي والمجال العام، سواء داخل مناطق سيطرته أو في الفضاء السياسي الخارجي، بما في ذلك الفعاليات الاحتجاجية في بعض العواصم الأوروبية. إذ يظهر في كثير من الأحيان ميلٌ إلى إبراز الرموز والخطاب الحزبي، في وقت تتطلب فيه المرحلة حساسية أعلى تجاه المزاج العام، وحاجة ملحّة إلى خطاب جامع يعبّر عن تطلعات الشارع الكردي بوصفه شريكاً في قضية أوسع، تتجاوز الأطر التنظيمية الضيقة، وتتطلب تنسيقاً وجهداً مشتركاً تحت مظلة كوردستانية جامعة تحظى بإجماع أوسع..
خاتمة
المشكلة في سوريا، وفي التجربة الكردية تحديداً، ليست في غياب النخب، بل في عجزها عن الاعتراف بأن السياسة دون سلطة ليست سياسة، بل موقفاً أخلاقياً معزولاً. ففي زمن الحرب، لا تحمي الشرعية أصحابها، ولا تكافئ المبادئ من يرفعها إن لم تتحول إلى قدرة على الفعل.
ومن يرفض الاقتراب من السلطة خوفاً من الاتساخ، يتركها حتماً لمن لا يخاف من استخدامها. وهكذا، لا تُهزم النخب المدنية لأنها مخطئة دائماً، بل لأنها تصل متأخرة إلى صراع حُسم بالفعل. وفي عالم تحكمه الوقائع لا النوايا، تبقى الحقيقة الأوضح: من لا يجرؤ على الحكم، سيبقى مادة للتحليل… لا شريكاً في صناعة المصير.