حين يتحول الإعلامي إلى بطلٍ زائف: استعراض العاطفة على حساب المأساة.. الأداء الإعلامي المبالغ فيه: الأسباب والدوافع

شيرين خليل خطيب

 

في خضم الظروف القاسية التي تمر بها كوردستان سوريا (روجآفا)، حيث تتوالى الهجمات وتُرتكب المجازر ويعيش الشعب الكوردي واحدة من أكثر مراحله إيلاماً، يُفترض بالمنابر الإعلامية أن تكون صوت الناس، ومرآة معاناتهم، وأداة وعي ومسؤولية. غير أن المتابع يلاحظ في الآونة الأخيرة ظاهرة مقلقة تنتشر بفظاعة على بعض القنوات التلفزيونية، مع الاعتراف بأهميتها وضرورتها ودورها الرائد، تتجلى هذه الظاهرة في سلوك عدد من المذيعين والمذيعات الذين يتصرفون وكأن القضية التي يتحدثون عنها على الشاشات قد اختزلت في أشخاصهم، وأن التعبير عن الموقف الشعبي أو اتخاذ القرار المعنوي بات مرتبطاً بحضورهم على الشاشة، وكأن حضورهم كان العامل الوحيد والأوحد في خَلْق ذلك الموقف، رغم أن المذيعين، للتوضيح، أقل الناس تعباً في عملهم مقارنةً بجميع لموظفين الآخرين في الإعلام أو في أي قناة تلفزيونية.

هذه الظاهرة تظهرُ بوضوح في أسلوب التقديم: رفع الصوت بشكل مبالغ فيه، كأن المذيعــ/ـة في ساحة المعركة!، نبرة آمرة توحي بالوصاية على الرأي العام ومصادرة آراء الناس وآراء ذوي القرار أيضاً، وانفعال مفتعل يطغى على الخبر بدل أن يشرحه وبدل أن ينقله ويوصله إلى المتلقّين. يتحول المذيع أو المذيعة، من ناقل للمعلومة إلى “قائد موقف” وصانع بطولات، ومن وسيط بين الحدث والجمهور إلى طرف يدعي امتلاك الحقيقة الكاملة. في سياق مأساوي وحساس كهذا، يصبح هذا السلوك خطراً، لأنه يخلط بين الرأي والخبر، وبين العاطفة والواجب المهني.

الأكثر إثارة للقلق هو ما بات يلاحظ من ظاهرة البكاء وأحياناً التباكي، على الهواء، والتي تحولت عند بعض المذيعات، وأحياناً المذيعين، إلى أداء متكرر، يكاد يكون استعراضياً  أكثر من كونه فعلاً لاإرادياً ناجماً عن صدق في الموقف. لا أحد ينكر حق الإنسان في التأثر، ولا يُطالب الإعلامي بأن يكون حجراً بلا مشاعر، لكن المشكلة تكمن حين يصبح البكاء (التباكي) أداة جذب، أو وسيلة لمنافسة زملاء آخرين في “من يتألم أكثر” أمام الكاميرا بهدف خلق حالة من (الانتشار الشعبي). هنا تفقد المشاعر صدقيتها، ويتحول الألم الحقيقي للشعب إلى مادة استهلاكية، تُستخدم لرفع نسب المشاهدة أو اللحاق بـ(التريند).

التقليد المتبادل في أساليب ادّعاء الحزن والانفعال يعكس أزمة أعمق في فهم دور الإعلام وقيمته وأهميته ودوره الحقيقي. فبدل أن يكون الإعلام مساحة لشرح ما يجري، وتحليل أسبابه، وإيصال صوت الضحايا بكرامة، يصبح مسرحاً للانفعالات الفردية التمثيلية أكثر منها أن تكون حقيقية. والنتيجة أن المشاهد، الذي يعيش القهر يومياً يشعر أحياناً بأن معاناته تُستَخدم لا تُحترم، وأن صوته يُختزل في دمعة على الشاشة أو صرخة عابرة أو صورة فاقعة في عدم احترامها لآلام المَعنيين بالمساعدة والمواقف النبيلة.

القضية الكوردية، على سبيل المثال، بكل تعقيداتها التاريخية والسياسية والإنسانية، هي قضية شعب، لا ملكية شخصية، ولا منصة لإبراز الذات، ولا فرصة لممارسة سلوكات البحث عن الشهرة والشعبية والجماهيرية. الإعلامي الحقيقي لا يصرخ بدل الناس، بل يفتح لهم المجال ليتكلموا، ليبوحوا، ليصرخوا في وجه الظلم والظالمين. لا يبكي نيابة عن الضحايا، بل ينقل قصصهم بصدق واتزان، ويحافظ على كرامتهم حتى في أقسى لحظاتهم.

في هذه المرحلة الحساسة، تحتاج بعض القنوات الإعلامية إلى مراجعة صادقة لدوره وأدواته. المطلوب ليس إلغاء العاطفة، بل ضبطها، ليس إسكات الألم، بل تقديمه بوعي ومسؤولية واحترام للذات وللآخَر. فبين المهنية والإنسانية مساحة توازن، إن ضاعت، ضاع معها احترام الجمهور، وتحول الإعلام من سند للقضية إلى عبء عليها.

إن معاناة الشعب الكوردي حقيقية وعميقة، ولا تحتاج إلى مبالغة وتمثيليات ولقطاتٍ جذّابة لإثباتها. ما تحتاجه هو إعلام يحترم عقل الناس، ويقدر وجعهم، ويدرك أن نقل المأساة بكرامة أبلغ من ألف صرخة على الهواء وأعظم من بحار من دموع ليست بدموع.

أسباب هذه الظاهرة:

أولاً- التركيز على الشخصيات الإعلامية: فكثير من القنوات الإعلامية، أصبح تركيزها على شخصية المذيع أو المذيعة أكثر من التركيز على الحدث نفسه، وبلغ الاهتمام به/بها أكثر من الاهتمام بالحدث والقضية والدور الإعلامي. يُنظر إلى الإعلاميين على أنهم “وجه القضية” بدل أن يكونوا ناقلين للعملومات عن الحدث أو ناقلين للخبر. هذا يؤدي إلى نوع من الغرور الإعلامي والعُجْب والغطرسة، حيث يظن بعضهم أن لهم سلطة أعلى من دورهم المهني، بل أعلى من الحدث نفسه ومن عناصر الحدث.

ثانياً- السعي وراء الشهرة والانتشار الرقمي: عصر وسائل التواصل الاجتماعي والــ(تريندات) خلق ضغطاً كبيراً على الإعلاميين لتحقيق نسب مشاهدة عالية. البكاء/التباكي، أو الأداء المبالغ فيه أصبحا وسيلة لضمان انتشار الفيديوهات على المنصات الرقمية.

ثالثاً- غياب التدريب المهني المناسب: كثير من المذيعين لا يتلقون تدريباً كافياً في التغطية الصحفية للأزمات الإنسانية، مما يجعلهم يستخدمون أو يجتهدون في استخدام العاطفة بشكل مفرط بدلاً من التركيز على الحقائق وتحليل الأحداث.

رابعاً- التأثر النفسي بالأزمات: طبيعة الأحداث في كوردستان سوريا صعبة ومؤلمة، وهذا قد يجعل الإعلاميين يتأثرون نفسياً بشكل مباشر ويعبرون عن الألم الشخصي أمام الكاميرا، وهو أمر مفهوم ولا بد من تقديره، إن بقي بعيداً عن التمثيل والمبالغة والادّعاء، لكنه يخرج عن نطاق المهنية إذا أصبح الأداء الرئيس هو البكاء أو التأثر العاطفي بدلاً من تقديم الأخبار بدقة.

دوافع الظاهرة:

أولاً- السيطرة على السرد الإعلامي: بعض الإعلاميين يسعون ليكون لهم “الكلمة العليا” في تشكيل الرأي العام، فيعتقدون أن التعبير الشخصي المكثف سيمنحهم هذا الدور، ليكونوا في موقع صناعة القرار بدلاً من نقل المعلومات.

ثانياً- التأثير النفسي على المشاهدين: البكاء بمعنى التباكي، والمبالغة العاطفية تستهدف إثارة مشاعر الجمهور، مما يزيد من تفاعل المشاهدين ومشاركة المحتوى، وهو هدف يسعى إليه بعض المحطات لزيادة نسب المشاهدة والإعلانات، وفي هذا النزوع من المخاطر ما لا يقل عن مخاطر الأزمات المتكررة في واقع الجماهير.

ثالثاً- تراجع المعايير المهنية: ضعف الرقابة على الأداء الإعلامي داخل بعض القنوات أدى إلى السماح للسلوكيات المبالغ فيها بالانتشار، فضلاً عن تحولها من حالة إلى ظاهرة ومن ظاهرة إلى وباء لا بد من التنبيه إلى عواقبه المهنية.

تأثير الظاهرة:

أولاً – تقليل مصداقية القناة: الجمهور قد يشعر أن الأداء الشخصي يفوق أهمية الحدث نفسه، مما يؤدي إلى فقدان الثقة في وسائل الإعلام.

ثانياً – تشويه صورة القضية: التركيز على العاطفة المبالغ فيها يمكن أن يحرف الانتباه عن الأحداث الحقيقية والمعاناة الحقيقية للشعب.

ثالثاً – إرهاق الفريق الإعلامي وراء الكاميرا: إصدار الأوامر والصراخ أمام الكاميرا يضع ضغطاً نفسياً على المصورين والمحررين والمخرجين، مما قد يؤدي إلى بيئة عمل سلبية وغير مهنية.

أخيراً… الظاهرة التي يظهر فيها بعض الإعلاميين، من المراسلين والمراسلات والمذيعين والمذيعات، على القنوات، بتركيزهم على أنفسهم وأدائهم العاطفي المبالغ فيه، ليست مجرد تصرف فردي، بل هي نتاج مزيج من الغرور الشخصي، الضغط على نسب المشاهدة، وضعف التدريب المهني، وتأثير الأحداث المؤلمة نفسياً. والسبب هو غياب الرقابة الداخلية، التي يجب أن تكون موجودة وفاعلة بصدق وجِدّية دائماً، وتفرق بين ما هو مصطنع وما هو حقيقي، وتنبه المذيع باستمرار بأنه ناقل للخبر لا أكثر ولا أقل، ولا تعطيه أي نوع من أنواع السلطة تخوله أو توهمه بأنه (كلمة الشعب) أو الناطق باسم الشعب أو المقرر بدلاً منه، فيتوهم العظمة المطلقة، ويتصرف على الشاشات بشكل غريب ومريب ومستفز للمشاعر والعين، ويسبب إرهاقاً للأذهان الواعية والمنفتحة والمدركة لأبعاد أي ملمح أو حركة أو نبرةِ صوت.

معالجة هذه الظاهرة تتطلب تربيةً وتدريباً مهنياً مستمراً، وتعزيز دور التحرير الرقابي، وتشجيع الأداء الموضوعي بعيداً عن العواطف المبالغ فيها، وتوعية الجمهور حول الفرق بين التغطية المهنية والتأثير الشخصي. إن احترام المهنة وحقوق المتابعين والذين يعانون فعلياً من الأحداث هو الطريق الوحيد لاستعادة المصداقية والحفاظ على نزاهة الإعلام. مشكلة المذيعين تكمن في أنهم لا يعولون على ذكاء المتلقي أو المشاهد… مشكلتهم الأساسية تكمن في أنهم لا يعتبرون المشاهد ذكياً بما فيه الكفاية وقادراً على التفريق بين الحقيقة والزيف… بين الادعاء والطبيعة الإنسانية الصادقة، وهذا أكبر خطأ وقع فيه أغلبهم، فالناس أذكياء وفق المطلوب وأحياناً أكثر من المطلوب، ويستطيعون أن يحللوا ويجردوا ويتوصلوا إلى الحقيقة العارية والمجردة وهم جالسون في أماكنهم أمام شاشات تلفزيوناتهم.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…