التوقيع على البيانات بين المسؤولية وفخ الإيقاع

 إبراهيم اليوسف

ترتبط مسألة التوقيع على البيانات العامة بمسؤولية أخلاقية وقانونية مباشرة، إذ لا تعدّ قائمة الأسماء الموقعة في نهاية أي بيان تضامني أو” إداني” مجرد تحبير شكلي، إنما تمثل موقفاً صريحاً وتحملًا كاملاً لكل ما يرد في مضمونه، على المديين القريب والبعيد. انطلاقاً من هذه القاعدة، فقد تعاملتُ دائماً مع أية عريضة أو بيان- أياً كان محتواه- بحذرٍ كبير، رغم كم الخجل الذي أواجهه وأنا أتخذ احترازاتي الأولى، حيث لا أضع اسمي قبل قراءة دقيقة ومناقشة واضحة للنص. لاسيما بعد تجارب متراكمة مررت بها، خلال ربع القرن الأخير الذي كشف لي أن هذا الميدان جد حساس. جد خطير، وعرضة لممارسات غير مهنية، وتضليل متعمد، يجعل التوقيع نفسه أداة وضحية للاستدراج السياسي: موقفاً صلباً أو كبوة بل سقوطاً مدوياً.

أتذكر، في سنوات بداية الثورة السورية وافقتُ على التوقيع على أحد البيانات بناءً على صياغته الأولية التي بدت متوازنة، غير أن النسخة المنشورة لاحقاً تضمنت إدراج اسم جهة كردية من دون أن تكون تلك الإشارات واردة في المسودة التي اطّلعنا عليها. هذا التعديل غيّر طبيعة البيان ومضمونه، وافتقد المصداقية، وحوّله من نص حقوقي أو إنساني إلى نص ذي حمولة سياسية محددة. والآن، عندما أنظر إلى خلفية لجنة الإعداد- تلك- والمستمرة حتى الآن في بؤس تضليلاتها، وتهليلاتها، يتبيّن أن الهدف الضمني لم يكن الدفاع عن- حقوق عامة- متفق عليها، بقدر ما كان المطلوب توجيه خطاب يستهدف الكرد سياسياً. بما يوضح أن التلاعب بالصياغة بعد جمع التواقيع يشكل خرقاً  قبيحاً صريحاً لمبدأ الشفافية.

كثيراً ما، خولني ويخولني عدد من الأصدقاء المقربين بوضع تواقيعهم إلى جانب توقيعي بدافع الثقة، منذ أيام قامشلي وحتى الآن، إلا أنني أمتنع عن استخدام هذا التفويض بصورة تلقائية، حيث أحرص على إرسال أي بيان- يصلني أو أطلقه إليهم- وأخذ رأي كل واحد منهم بشكل فردي. هذا الإجراء ليس مجرد رفع عتب احترازي، فحسب، إنما يهدف إلى حماية الموقف الشخصي لكل منهم ومنع استغلال أسمائهم في سياقات لا يوافقون عليها. إذ أثبتت التجربة لي أن الثقة وحدها لا تكفي في بيئة تتكرر فيها محاولات الالتفاف.

ثمة حالات كثيرة أستطيع استذكارها، من بينها أنني واجهتُ كذلك حالات جرى فيها تعديل بيانات بعد الاتفاق عليها، أو إضافة فقرات لم تخضع للنقاش المشترك.  مازلت أتذكر أنه في إحدى المرات فوجئتُ بصدور بيان يحمل اسمي ضمن قائمة الموقّعين من دون علمي أو موافقتي، فاضطررت حينها إلى إعلان الحقيقة، ورفضي العلني لشطوحات النص الخبيثة. هذه الحوادث دفعتني سابقاً إلى كتابة مقال بعنوان “وقّع ولا تقع” بهدف التنبيه إلى خطورة التوقيع غير المدقق، إذ يمكن أن يتحول الاسم إلى أداة تُستخدم ضد صاحبه أو ضد القضية التي يدافع عنها.

صديق جد مقرب إلي من إقليم كردستان زج باسمي وأسماء أخرى في التوقيع على بيان لم أقرأه ولم أوقع عليه- ورغم أنه الآن راحل عن عالمنا رحمه الله- فإن حواري معه لايزال في المسنجر المشترك بيننا،إلا أنني نبهته إلى مافعل، بعد أن أعلموني أنه من أعطاهم اسمي، ضمن قائمة أعدها، وقد أصدر على صفحته اعتذاراً فوجدته- بتصحيحه للخطأ- ذروة في الأخلاق

 وكما هو ملاحظ أنه تتكرر في المرحلة الراهنة المشكلة بصورة أوضح. حين يُرسل بيان ما، يهدف إلى نصرة الأهالي في ظل ظروف حرب وحصار، يطالب بعض المتلقين بإضافة فقرات نقدية أو هجومية تجاه قسد- مثلاً- أو جهات كردية أخرى كشرط للتوقيع. شخصياً أقدر حرص هؤلاء على رؤيتهم، و” يكبرون” في عيني، من جهة حرصهم، وجرأتهم، وعدم خضوعهم لسطوة الصداقة أو العلاقة البينية، إذ أرى أن من حق أي طرف أن يعبّر عن رأيه السياسي وأن ينتقد أية قوة أو حزب، غير أن لي ما أتركه للمستقبل. خارج طبيعة الظرف المرحلي،  إذ إن لي في قرارتي- رأيي الشخصي- أن لي موقفاً آخر يتضاد مع خلط القضايا الإنسانية العاجلة بخلافات سياسية تفصيلية يؤدي عملياً إلى إضعاف التضامن العام المطلوب، لأن الواقع الحالي يتعلق بتهديد وجودي يطال الكرد جميعاً، إذ  تتعرض مناطقهم لهجمات وعمليات تهجير وقتل، ما يجعل الأولوية لحماية المدنيين لا لتصفية الحسابات الحزبية. وأعدني- باعتزاز- أحد من واجهوا الهيمنة- خارج المكانية- عن كرد سوريا، منذ أول مظاهرة مناوئة أمام جامع- قاسمو- في الحي الغربي،  في بداية الثورة السورية، ومروراً بأخطاء كل محطة بما رتب علينا إساءات، وتهديدات، من قبل من لم نعد نجد لهم أصواتاً فاعلة، الآن، بينما وقفنا ونقف مع أهلنا هؤلاء في كل محطة يتعرضون فيها للمواجهة من قبل: أعداء شعبنا، أية كانت هوياتهم:  مابعد الشوفينية والراديكالية، وذلك لأن هؤلاء الأعداء إنما يعملون- فعلياً- على ممارسة الجينوسايد، بأشكاله ضدنا جميعاً.

وللحقيقة، وللتاريخ فإن المعروف للقاصي والداني، الآن، هو أننا أمام أن خطاب متشدد مواز أو مترجم أو مولد- لهذا الجينوسابد- يتنامى ضد الكرد بوصفهم قومية مطلوبة الرأس والوجود على مسرح مناطقهم، لا ضد حزب أو تنظيم محدد. فثمة أطراف تعلن عداءها لكل مكونات الحركة السياسية الكردية، سواء أكان المجلس الكردي أو الإدارة الذاتية أو المستقلين أو الكتّاب، لاسيما أن هناك من يتوعدنا ويشهر بأسماء كثيرين منا، سواء أكنا في الوطن أو في المهجر، وفي ظل عالم القوانين الحامية الناظمة. هذا التعميم يلغي الفوارق السياسية الطبيعية ويحوّل الخلاف إلى موقف إقصائي شامل. حتى في مراحل سابقة، وقبل ظهور قسد، ظهرت ممارسات مشابهة داخل بعض أوساط المعارضة، حيث كان مجرد ذكر خصوصية كردية يواجه بالرفض أو التشويش، مع زعم تأجيل الحقوق إلى ما بعد سقوط النظام من دون أية ضمانات، نشهد نتائجها الآن، بما يجسد ذلك الضمير المعطوب!

أجل، منا، تماماً، وبناءً على مجمل هذه الوقائع، تبدو مسألة التوقيع على أي بيان: تضامني أو حتى إداني عملاً سياسياً مسؤولاً يتطلب تدقيقاً كاملاً لا إجراءً روتينياً. إذ إن حماية الاسم من الاستغلال جزء من حماية الموقف نفسه. كما أن الفصل بين القضايا الإنسانية العاجلة والخلافات الحزبية ضرورة عملية لضمان وحدة الجهد في مواجهة الخطر المباشر. ولهذا، فإن أي بيان لا يحترم هذه القواعد يتحول من أداة تضامن أو إدانة إلى أداة انقسام وتنافر وتنابذ، ويخدم بصورة غير مباشرة الجهات التي تستهدف المجتمع الكردي برمته.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…