درويش محما*
قبل نحو عشرة أعوام، وخلال لقاء جمعني مع مسؤول كردي عراقي معنيّ بملف أكراد سورية لدى حكومة إقليم كردستان، صارحته بقناعة كانت راسخة لدي آنذاك: أن السياسات المتبعة تجاه أكراد سورية سياسات خاطئة، وأنها ستقودهم عاجلا أم آجلا إلى نتائج كارثية. لم يكن تحذيري مقتصرا على الساحة السورية فحسب، بل أكدت له أن ارتدادات تلك الخيارات ستطال إقليم كردستان نفسه، وقد تنتهي بخسارة السيطرة على مناطق شاسعة من الإقليم، مثل شنكال وغيرها.
كنت أقصد بالسياسات الخاطئة لإقليم كردستان العراق تحديدا: سياسة ترك المناطق الكردية السورية لقوات حزب العمال الكردستاني (PKK)، وسياسة تدجين الأحزاب الكردية السورية الحليفة للإقليم داخل هولير، إلى الحد الذي باتت فيه تلك الأحزاب تتحرك وفق إملاءات ونصائح لا تعبر عن إرادة الشارع الكردي السوري ولا عن مصالحه الفعلية.
كان رد المسؤول صادما ومهينا : «أنت لا تفقه في السياسة، كاك درويش». في ذلك الوقت، ربما بدا كلامي متشائما أو مبالغا فيه لدى البعض، لكنه لم يكن نابعا من انفعال، بل من قراءة سياسية لما كان يتشكل على الأرض، ومن معرفة بطبيعة حزب العمال الكردستاني وسلوكه أينما وجد. واليوم، ومع تسارع الأحداث، يتبين أن ما حذرت منه يتحقق تباعا، بل وبقسوة أشد مما توقعت.
ما نعيشه اليوم ليس وليد لحظة، ولا نتيجة ظرف طارئ، بل حصيلة تراكم طويل من الأخطاء، وسوء التقدير، وعدم كفاءة لدى أصحاب القرار الكردي، سواء بين الكرد السوريين أو القائمين على الشأن الكردي السوري في إقليم كردستان.
فحزب العمال الكردستاني، منذ نشأته وحتى اليوم، لم يكن في أي تجربة عامل استقرار للكرد، بل كان وبالا عليهم أينما حل. وسيطرته على المناطق الكردية السورية لم تأت من فراغ، بل جرت بدعم وتخطيط من النظام السوري البائد، وبإسناد من النظام الإيراني، وبمساندة مباشرة من حزب الاتحاد الوطني الكردستاني (أبناء جلال طالباني).
في المقابل، يظل موقف الحزب الديمقراطي الكردستاني، بقيادة الرئيس مسعود بارزاني—الذي يحظى بمحبة وتقدير واسعين لدى معظم كرد سورية—موضع تساؤل مشروع: هل كان ذلك الموقف نابعا من حسن نية؟ أم من سوء تقدير؟ أم من الالتزام بمبدأ «عدم التدخل في شؤون بقية الكرد»؟ مهما كانت النوايا، فقد أثبتت الوقائع أن كلفة هذا المبدأ كانت باهظة، ودُفعت من دماء وتهجير ومستقبل ضائع.
في عام 2014، أخبرني أحد رجال الأمن الكرد في إقليم كردستان، بصوت خافت في هولير، أن مقاتلي حزب العمال الكردستاني كانوا يعبرون حدود الإقليم إلى سورية بأسلحتهم الثقيلة، قادمين من جبال قنديل. وقد أبلغنا قياداتنا في هولير، فكان الرد: اتركوهم وشأنهم.
العلاقة بين معظم كرد سورية—وأحزابهم السياسية—وبين الحزب الديمقراطي الكردستاني وزعيمه مسعود بارزاني، لم تكن علاقة سياسية “أخوية” متكافئة، بل أقرب إلى علاقة أبوية. وهذه العلاقات، حين تُبنى على التبعية العاطفية بدل الشراكة السياسية الصحية، تكون نتائجها وخيمة. وهذا ما حصل، دماء غزيرة، تهجير واسع، ومشاريع وهمية مستوحاة من خيالات عبد الله أوجلان وقيادات قنديل، دُفعت أثمانها من لحم ودم الكرد السوريين.
ورغم مرارة المشهد اليوم، أجد في داخلي شعورا معقّدا. ليس شماتة بما يحدث، ولا فرحا بالمآسي، بل إحساسا ثقيلا بأن المسار كان واضحا منذ سنوات طويلة، وأن التحذيرات لم تُؤخذ على محمل الجد. لذلك، لا أشعر بالحزن كما يشعر كثيرون من أبناء جلدتي على ما يجري اليوم، بقدر ما أحزن على جهلهم بوقائع الأمور، وتجاهلهم للتاريخ القريب والبعيد، وسذاجتهم في فهم بواطن الأمور وظواهرها.
السيد مسعود البارزاني، خلال إطلالته الأخيرة على التلفاز، بدا عليه تشاؤم شديد حيال ما يجري في المناطق الكردية السورية. ولا أعتقد أن بوسع الرجل فعل الكثير تجاه هذا الواقع، سوى تقديم النصح، وإرسال المساعدات الإنسانية والخيرية. أما كل ما عدا ذلك، من أوهام تم الترويج لها من قبل النخبة الكردية السورية من كتاب وساسة وأصحاب شأن، على مدى أكثر من عقد، وصدقها البعض، فلا يَستكرد فيها أحد إلا نفسه. ولله في خلقه شؤون.
* كاتب كردي سوري