حين يُترك الكُرد لمصيرهم المجهول

خوشناف سليمان

يمر الكرد في سوريا بمرحلة مفصلية وحساسة، في ظل بيئة سياسية وعسكرية شديدة التعقيد. في مثل هذه اللحظات، لا يكون النقاش المفيد هو ما كان ينبغي ان يحدث، بل كيفية التعامل مع الواقع القائم كما هو، بعيدا عن العاطفة او الخطاب التعبوي، وبمنهج يقوم على تقييم دقيق لموازين القوى والخيارات المتاحة.

تشير الوقائع بوضوح الى ان القوى الدولية والاقليمية الفاعلة، بما فيها الولايات المتحدة والدول الاوروبية، اعادت ترتيب اولوياتها وفق مصالحها الاستراتيجية الخاصة. في هذا السياق، لم يعد الملف الكردي في سوريا اولوية حقيقية لاي من هذه الاطراف، ما ادى عمليا الى ترك الكرد يواجهون التحديات العسكرية والسياسية بمفردهم. هذه ليست مجرد مسالة خيانة، بل نتيجة طبيعية لسياسات دولية تقوم على المصالح اكثر من الالتزامات طويلة الامد.

على المستوى العسكري، هناك خلل واضح في توازن القوى. مواجهة جيوش او قوات تمتلك دبابات وقدرات نارية متفوقة باسلحة فردية او امكانيات محدودة لا يشكل خيارا عمليا او عقلانيا. التجارب السابقة اثبتت ان هذا النوع من المواجهة يؤدي الى خسائر بشرية كبيرة، ويضع المدنيين في دائرة الخطر المباشر، دون تحقيق مكاسب استراتيجية حقيقية.

الى جانب ذلك، لا يمكن تجاهل التحول الديمغرافي الذي يشهده المجتمع الكردي في سوريا. تشير تقديرات غير رسمية الى ان اعدادا كبيرة من الكرد، يقدر بعضها باكثر من مليون شخص، غادرت البلاد خلال السنوات الماضية باتجاه اوروبا ودول اخرى. هذا التراجع العددي ينعكس مباشرة على القدرة السياسية والعسكرية والاجتماعية، ويجعل من الضروري التفكير بمنطق الحفاظ على ما تبقى، لا المجازفة بما هو مهدد اصلا.

في ضوء هذه المعطيات، تبرز الحاجة الى اعادة تقييم شاملة للاستراتيجية المتبعة. المطلوب هو حوار داخلي كردي جاد، تشارك فيه مختلف القوى السياسية والاجتماعية، بهدف التوصل الى مقاربة واقعية تحافظ على ما تبقى من الوجود الكردي، وتقلل من الخسائر البشرية والمادية.

هذه المقاربة يجب ان تنطلق من مبدأ تقليص الاضرار، لا من منطق الانتصار الكامل او الهزيمة المطلقة. الانفتاح على الحلول السياسية والتفاوضية، مهما كانت معقدة او صعبة القبول، قد يشكل احد الخيارات القليلة المتبقية لتفادي سيناريوهات اكثر خطورة. فالتفاوض في هذا السياق لا ينظر اليه كتنازل مبدئي، بل كاداة سياسية لادارة الخسائر وحماية الحد الادنى من الحقوق في ظل واقع اقليمي ودولي غير موات.

كتابة هذه السطور لا تنطلق من موقع الارتياح او البرود، بل من شعور عميق بالحزن والوجع على ما ال اليه حال الكرد في سوريا. غير ان هذا الالم، مهما كان قاسيا، لا يعفي من مسؤولية التفكير العقلاني عندما تضيق الخيارات وتكاد تنعدم البدائل. في مثل هذه اللحظات، يصبح ضبط العاطفة شرطا اساسيا لحماية ما تبقى، لا انكارا للوجع، بل محاولة لتجنب وجع اكبر.

ويبقى السؤال المفتوح الذي ينبغي ان يشكل محور النقاش العام اليوم: هل نمتلك الشجاعة للانتقال من منطق رد الفعل العاطفي الى منطق القرار العقلاني، ومن البحث عن انتصار كامل غير ممكن الى ادارة واقعية للخسائر تحفظ الوجود وتمنع انهيارا اشمل؟

انه سؤال لا يخص طرفا سياسيا بعينه، بل يمس المجتمع الكردي باكمله في واحدة من ادق مراحله.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

اكرم حسين الحديث عن مسؤولية «الكرد» عن ممارسات قوات سوريا الديمقراطية، وتحميلهم جماعياً نتائج سياسات وممارسات هذه القوة، هو خلط سياسي وأخلاقي لا يخدم الحقيقة ولا وحدة البلاد. أولاً: قسد لم تدّعِ يوماً أنها تمثّل الكرد السوريين ، ولم تكن مفوضة بالحديث باسمهم. بل إن مشروعها السياسي، منذ نشأته، قام على مفهوم «الأمة الديمقراطية»، وهو تصوّر عابر للهويات…

عبدالباقي اليوسف تقتضي لحظات التحول التاريخية في الشرق الأوسط نظرة واقعية تفكك المشهد بعيداً عن الشعارات المستهلكة؛ وما يشهده الإقليم اليوم من تسارع محتدم للأحداث—من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران إلى إعادة رسم خرائط النفوذ—ليس مجرد تفاصيل منفصلة، بل تجلٍّ لإعادة ترتيب واسعة لموازين القوى. وفي قلب هذه العاصفة، يأتي الموقف التركي الراهن تجاه القضية الكوردية ليرسم علامات استفهام كبرى؛ موقفٌ…

عبد الجابر حبيب لا أدري لماذا تسلل إلى ذهني مسلسل “صح النوم”، وبالتحديد ذلك المشهد الذي يحاول فيه حسني البرظان كتابة مقالته الشهيرة. يبدأ بثقة: “إذا أردنا أن نعرف ماذا يجري في إيطاليا، فعلينا أن نعرف ماذا يجري في البرازيل.” ثم يتكفل غوار بإفساد كل شيء، فلا يكتمل المقال؛ لأن الواقع المؤلم الذي يعيشه كاتب المقال كان أثقل من أن…

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثانية: ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان… من الفكرة إلى المبادرة إذا كان تكرار الاعتداءات على إقليم كوردستان قد أصبح تهديدًا للاستقرار، وإذا كانت بيانات الإدانة لم تعد كافية لردعها، فإن السؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه هو: ما البديل؟ البديل، برأيي، هو فتح نقاش دولي جاد حول إنشاء ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان، أو إطلاق مبادرة أممية…