إيران… استراتيجية وحدات المقاومة

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)*

إنّ الاحتجاجات الشعبية الشاملة التي شهدتها إيران في يناير/كانون الثاني 2026، والتي انطلقت في 28 ديسمبر2025 بتجمّعات التجّار وأصحاب المحال في طهران، ثم ما لبثت أن امتدّت سريعاً إلى أكثر من ثلاثين محافظة ومئات المدن، قد شكّلت أحد أكثر الفصول دمويةً في تاريخ البلاد المعاصر. إنّ حصيلة الشهداء، التي تشير تقارير موثوقة إلى ثلاثة آلاف، تكشف قبل أي شيء آخر حجم الوحشية والتوحّش الذي يمارسه النظام الحاكم. وهذه الأرقام لا تعبّر فقط عن عمق الأزمة، بل تُعدّ في الوقت ذاته بشارة بقرب الهزيمة النهائية للديكتاتورية أمام الإرادة الموحّدة للشعب.

لقد أظهرت الصور ومقاطع الفيديو المسرّبة من كهريزك في طهران—على الرغم من القطع الواسع للإنترنت والتعتيم القسري—مشاهد مرعبة: ممرّات باردة ورطبة، جثث مكدّسة في الساحات، أجساد مضرّجة بالدماء داخل أكياس سوداء، وآباء وأمهات وأقارب يفتّشون بذهول وحزن عن أحبّتهم بين الأموات. لقد أصبح لكهريزك اليوم معنى آخر: رمز لجريمة منظّمة ضد الإنسانية، مكان يحاول فيه النظام دفن هوية الضحايا المنتهكة في غياهب المجهول. غير أنّ الحقيقة تشقّ طريقها؛ فدماء الشهداء لا تُدفن في التراب، بل تتجذّر في وعي الشعب وعزيمته.

وقد وصفت السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، هذه الكارثة بأنها «جريمة كبرى ضد الإنسانية»، مؤكدةً ضرورة الملاحقة القانونية والتاريخية للآمرين والمنفّذين لهذا القتل الجماعي. ولا شكّ أنّ المسؤول الأول عن هذه الجريمة هو علي خامنئي، ومن بعده كبار المسؤولين التنفيذيين في البلاد. فمن منظور القانون الدولي، لا تسقط جريمة القتل الجماعي المنهجي ضد المدنيين بالتقادم. إنّ التزام المقاومة بإحالة الجناة إلى العدالة يتجاوز كونه شعاراً سياسياً، ليشكّل محاولةً لترميم ضمير الشعب الإيراني وضمير العالم. ويؤكد من تمكّنوا من مغادرة إيران أنّ شعباً وصل إلى حدّ الانفجار، بمختلف أعمارهم وجنسهم وقومياتهم، قد نهضوا بشجاعة وتضحية في سبيل الحرية. إنّ هذه الجريمة لن تمرّ بلا حساب. وسيأتي اليوم الذي تتقدّم فيه العدالة على الجريمة، ويقع الآمرون والمنفّذون في قبضة الشعب.

انتفاضة الشعب

إنّ انتفاضة يناير/كانون الثاني 2026 كانت التحاماً بين الخبز والحرية. فسنتان من الحرب التي اختارها النظام، والانهيار الحاد لقيمة الريال، والتضخّم الجامح، وإعدام الآلاف على الأقل في السنوات الأخيرة، دفعت المجتمع إلى حافة الانفجار. حاول خامنئي إخماد النيران عبر إغلاق المدن، وقطع الإنترنت، وفرض الظلام، وتنظيم القتل الجماعي، لكنه فشل. بدأت الانتفاضة من سوق طهران، وفي اليوم الثاني انضمّت الجامعات، ثم خرجت المدن تباعاً إلى الساحة. تصاعدت الاحتجاجات وأخذت طابعاً راديكالياً. لجأ الناس إلى الدفاع عن أنفسهم وعن انتفاضتهم، واستخدموا السلاح في بعض المناطق وسيطروا مؤقتاً على الشوارع.

وردّ النظام بقطع الإنترنت، وإغراق النقاط الحيوية في الظلام، وتنظيم المجازر. إنّ أعداد الشهداء إلى جانب عشرات آلاف المعتقلين، تعكس عمق رعب النظام من انتفاضة الشعب. غير أنّ هذه الأرقام دليل ضعف لا قوّة. فالخائف هو النظام وقائده الذي يلجأ إلى هذا القتل الجماعي. ولا شكّ أنّ النصر سيكون من نصيب الشعب. وقد شوهد بين صفوف المنتفضين عدد من أنصار مجاهدي خلق، أي القوة الوحيدة التي تمتلك حضوراً منظّماً وفاعلاً في هذه الانتفاضة الشعبية. ومن المؤكد أن الأرقام الحقيقية تفوق بكثير ما أُعلن رسمياً.

خطوة واحدة إلى الانتفاضة

كانت قيادة المقاومة الإيرانية قد أعلنت منذ زمن أنّ إيران تقف في وضع ثوري عند عتبة «خطوة واحدة إلى الانتفاضة». وفي 28 ديسمبر 2025، سُمعت خطوات الانتفاضة في مختلف أحياء طهران. كان الشباب في الطليعة؛ استهدفوا المراكز الحكومية، ولقّنوا عناصر النظام دروساً قاسية، وشجاعتهم أدهشت العالم. ولا شكّ أنّ من لم يرَ هذه الشجاعة أو لم يقدّرها، فإنه يقف في الجانب الخطأ من التاريخ.

ومنذ اللحظة الأولى، تلاحم الإيرانيون في الخارج مع الانتفاضة. وسرعان ما اكتسب الدعم بُعداً عالمياً، وارتفع صوت الشعب الإيراني ليصل إلى العالم. إنّ هذه الانتفاضة مستمرة، وديكتاتورية ولاية الفقيه دخلت مرحلتها النهائية. لقد كسر الشعب المنظّم، المتمحور حول «إسقاط نظام ولاية الفقيه» و«غير الخائف من الفشل أو اليأس»، جدار الخوف. وقد قرّر ألّا يعود إلى الوراء أبداً، وأن يبني من قلب هذا الحداد العظيم إيرانَ ديمقراطيةً، عادلةً، وحرة.

إنّ انتصار الشعب حتمي. فدماء آلاف الشهداء زرعت بذور الحرية ودفعت النظام إلى حافة السقوط. وعلى العالم أن يُدين هذه الجريمة ضد الإنسانية وأن يدعم الشعب الإيراني. إنّ ديكتاتورية إيران إلى زوال، وسيكون هذا الزوال بداية عصر الحرية في إيران.

الكلمة الأخيرة

إنّ إيران ملك للشعب الإيراني. والدكتاتوريات تسقط واحدة تلو الأخرى على يد هذا الشعب. إنّ المعماري والقائد الحقيقي لمسار الشعب الإيراني هو ذاك الذي وصف الانتقال من أشرف (في العراق) إلى سجن «ليبرتي» بأنه «جسر نحو إيران»، واعتبر «وحدات المقاومة» استراتيجيته. إنّ إيران ستتحرر.

***

*کاتب ومحلل سياسي خبير في الشأن الايراني

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…