حسين جلبي
أن تُقدم قناة فضائية مغمورة على إجراء لقاء مع شخصية تحظى باهتمام عالمي، في ظرف سياسي حساس يتطلع فيه الرأي العام إلى معرفة موقفه، وأن يخصص الضيف وقتاً للقناة ليقدم تصريحات حصرية حول قضايا استثنائية ساخنة، ثم تقرر القناة – رغم إعلانها المسبق عن موعد البث – عدم إذاعة اللقاء، لوجود مشاكل تقنية كما بررت في البداية، ليتبين أن السبب هو اكتشاف القائمين عليها؛ أن الضيف عبر عن آراء لا تنسجم مع رغباتهم ولا تتطابق مع أجنداتهم، وأنه لم يقل ما كانوا يتوقعونه أو يشتهونه؛ ثم يخرج مدير القناة ليمنح نفسه حق انتقاء مقاطع مجتزئة من اللقاء ونشرها بشكل منفرد، فإن ذلك لا يعد فقط سقطة مهنية فادحة، بل سقوطاً أخلاقياً مكتمل الأركان.
هذه الوقائع كانت بطلتها قناة “شمس”، الكُردية التمويل، العربية اللسان، التي انطلقت قبل نحو عام من إقليم كُردستان، في محاولة جديدة لوضع “الصوت الكُردي الغائب” على خارطة العالم العربي. وقد افتتحت القناة مسيرتها بلقاء مع السيد مسعود البارزاني، رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني، على أمل أن يشكل ذلك انطلاقة قوية، بالنظر إلى ثقل الرجل السياسي، وما تحظى به لقاءاته مع الإعلام العربي عادة من اهتمام. غير أن ذلك اللقاء مر باهتاً، ولم يحظ بمتابعة تُذكر خارج بعض الأوساط الكُردية السورية، ولم تتداوله أي وسيلة إعلامية مؤثرة، خاصة أنه لم يحمل جديداً يُعتد به، سوى كونه أقرب إلى قص شريط افتتاح لمشروع محلي بقي محدود الأثر.
بعد ذلك، دخلت قناة “شمس” في سبات طويل، بل كادت أن تنطفئ تماماً، إلى أن عادت بعد أشهر لتعلن عن لقاء جديد مع السيد البارزاني، على أمل إنعاش حضورها الإعلامي. إلا أن مصير اللقاء الثاني لم يكن أفضل حالاً من سابقه. ومؤخراً، عادت القناة إلى الواجهة، لا من باب التميز الإعلامي، بل عبر إثارة الجدل، حين أعلنت عن إجراء لقاء مع الرئيس السوري أحمد الشرع وحددت موعد بثه، ثم أعلنت تأجيله من دون تقديم أي تفسير واضح، ما فتح الباب أمام موجة من التكهنات، خصوصاً في ظل حساسية التوقيت. وهكذا، حولت حركة القناة، القناة إلى “ترند”، ربما للمرة الأولى في تاريخها، بل تعرّف عليها كثيرون لأول مرة من خلال هذه الفضيحة.
دخل ايلي ناكوزي إلى إقليم كُردستان من بوابة الإعلام العربي، بعد أن أجرى سابقاً لقاءً ناجحاً مع السيد مسعود البارزاني حين كان يعمل في قناة “العربية”، حيث تحدث الضيف الكُردي حينها من دون “خطوط حمراء عربية”، كما بدا واضحاً. أما في اللقاء الأخير مع الرئيس الشرع، فقد بدا المشهد معكوساً؛ إذ لم يكتفِ ناكوزي بوضع “خطوط حمراء كُردية” لضيفه، بل تحوّل إلى ما يشبه “مقص الرقيب”، فنشر روايته الخاصة عمّا جرى في اللقاء، وهو تصرف يُعد أسوأ، مهنياً، من عدم نشر اللقاء أصلاً. ويزداد الأمر خطورة، ويخلط الإعلامي بالسياسي، حين نعلم أن الحزب الديمقراطي الكُردستاني الحاكم في الإقليم، كان قد توسط لإجراء اللقاء ثم لإلغائه، ما يجعل القضية تتجاوز حدود تصرف إعلامي معيب، إلى مسألة تمس طبيعة العلاقة بين النظام السوري الجديد وإقليم كُردستان، وهي علاقة يُفترض أن تكون في أفضل حالاتها، لأسباب موضوعية كثيرة، لا يتسع المقال لذكرها.
في الواقع، لم ينجح “الإعلام الكُردي”، في الخروج من عباءة النشرات الحزبية الجامدة، التي تتكرر بتكرار المناسبات، حتى ليخيل للمرء أن القائمين عليه ما زالوا يعيشون في زمن سحيق، لم تلامسهم فيه رياح التغيير، حيث تُضخم أخبار محلية هامشية، وتُقدم على أنها أحداث عالمية كبرى، ويقدم أبطالها على أنهم أصحاب رأي، مؤثرون، ويُستعاض عن المهنية بالشحن العاطفي والشعبوية. وحتى حين حاول هذا الإعلام تطعيم نفسه بخبرات من خارج محيطه، سرعان ما غرقت تلك الخبرات في المستنقع ذاته، بدل أن تنتشله منه.