مَن لا يعترف بقوميتي لن أتبنّى هُويّته

إدريس سالم

ليست غايتي في هذه المقالة تسجيل موقف عاطفي، ولا الانخراط في سجال هويّاتي ضيّق، وإنما تكمن الغاية في محاولة تفكيك واحدة من أكثر الظواهر إرباكاً في المشهد الثقافي السوري المعاصر، وهو غياب موقف المثقف العربي السوري ودوره تجاه ما يجري في الأحياء ذات الغالبية الكوردية، ولا سيما حيّي الأشرفية والشيخ مقصود، وتجاه القضية الكوردية السورية عموماً.

هذا الغياب لا يُقارب هنا بوصفه تفصيلاً سياسياً عابراً، ولا كنتيجة طبيعية لتعقيد المشهد السوري، هذا الغياب هو إشكالية فكرية وأخلاقية عميقة، تكشف عن خلل في مفهوم الدور الثقافي ذاته، وفي معنى الانحياز للعدالة بوصفها قيمة غير قابلة للتجزئة.

لا تنطلق قراءتي هذه من سؤال «مَن المخطئ؟ ومَن المصيب؟»، بقدر ما تنطلق من سؤال أكثر إلحاحاً «أين يقف المثقف حين يُختبر المعنى، وحين تصبح التسمية فعلاً أخلاقياً لا مجرد توصيف لغوي؟».

في لحظات كهذه، لا يُطلب من المثقف امتلاك حلول أو تبنّي اصطفافات سياسية، بقدر ما يطلب منه امتلاك الشجاعة الكافية لعدم الصمت والسكوت، ولرفض تحويل معاناة حيّين كاملين إلى مادة مؤجّلة أو شأن هامشي خارج دائرة الاهتمام الإنساني والأخلاقي والوطني.

إن ما يجري في الأشرفية والشيخ مقصود – حيّان ذوا غالبية كوردية – يُناقش باعتباره ملفّاً خاصاً، وقضية دولية تخص وترتبط مباشرة بوجود شعب يعيش على هذه الأرض منذ مئات السنين، ومرآة لاختبار العدالة في الخطاب الثقافي السوري. فحين يغيب الموقف، يغيب المعنى، ويتحوّل الصمت إلى خطاب ضمني يشرعن الظلم والإقصاء والإبادة، ويعيد إنتاج منطق المركز والهامش بلغة أكثر تهذيباً.

من هذا المنطلق، أسعى إلى قراءة الغياب كخيار ثقافي له دوافعه وأسبابه ونتائجه، وإلى مساءلة المثقف العربي السوري عن موقعه من فكرة الاعتراف المتبادل، ومن حق الآخر في أن يُرى ويُسمّى ويُؤخذ على محمل الجد. والسؤال المطروح هنا ليس سؤال الكورد وحدهم، ولا سؤال العرب وحدهم، هو سؤال المثقف السوري بشكل عام، لأنه الشاهد والشريك في صناعة المعنى، وأحياناً معطلاً له.

لا يُقاس حضور المثقف بكمّ ما يكتب، ولا بعدد المنابر التي يظهر عليها، لأن حضوره يظهر في نوعية اللحظات التي يختار أن يتكلم فيها، وبالأسئلة التي يجرؤ على طرحها حين يصبح الصمت خياراً مريحاً ومربحاً.

وفي الحالة الكوردية الراهنة، يبرز غياب موقف واضح لشريحة واسعة من المثقفين العرب السوريين، حيال ما يجري في حيّي الأشرفية والشيخ مقصود كظاهرة فكرية وأخلاقية آخذة في الاتساع، تُشير بوضوح إلى تآكل الاهتمام بالشأن الكوردي نفسه، وإلى تحوّل ما يتعرّض له الكورد من انتهاكات إلى أمر هامشي أو غير ذي صلة ضمن سلّم أولويات الخطاب الثقافي السوري. وهي ظاهرة تستدعي المساءلة الجدية، باعتبارها علامة كاشفة عن خلل عميق في علاقة المثقف بالعدالة، وبفكرة الوطن، وبذاته، لكونه ضميراً عاماً وموقعاً نقدياً مفترضاً.

حتى هذه اللحظة لم يصدر عن أي من اتحادات الكتّاب، أو المنظمات والمجلات والرابطات الثقافية السورية البارزة، سواء تلك التي تصدُر في الداخل أو في المنافي، أي موقف واضح، أو بيان يُسمّي ما يحدث في الأشرفية والشيخ مقصود بوصفه مأزقاً أخلاقياً، أو حالة ظلم تستحق التسمية. لقد جرى التعاطي مع الحدث كملف ملتبس، أو كصراع نفوذ بين قوى سياسية، وهو ما يعكس شكلاً من أشكال الهروب من مواجهة المعنى، ومن ممارسة الدور الثقافي كما يُفترض به أن يكون، وهنا يفرض السؤال نفسه كمساءلة أخلاقية مشروعة: أين موقف رابطة الكتّاب السوريين؟ وأين صوتها حين يُختبر معنى الكتابة مسؤولية أخلاقية في لحظة ظلم واضحة؟

هذا الغياب لا يمكن اختزاله في مفهوم الصمت فقط؛ فهو قد يكون أحياناً موقفاً واعياً أو احتجاجاً ضمنياً. ما نشهده هنا هو فراغ الموقف، إحجام عن التسمية، عن التحليل، وعن اتخاذ موقع أخلاقي صريح في لحظة اختبار حقيقية، وكأن ما يجري في الأشرفية والشيخ مقصود يحدث خارج المجال الأخلاقي الوطني، أو في هامش لا يستدعي تدخل الضمير الثقافي.

تكمن خطورة هذا الفراغ في أنه يرسّخ نمطاً من التفكير، يرى العدالة مسألة انتقائية، والقضايا الإنسانية شؤوناً قابلة للتأجيل أو التجاهل، حين لا تنسجم مع السرديات السائدة، وقد شهدنا هذا النمط سابقاً في مواقف مشابهة، كالهجوم على مدينة عفرين 2018م، أو هجوم رأس العين 2019م، حين آثر كثيرون التزام الصمت، فبدا الأمر كأنه قبول ضمني بالرواية الأقوى سياسياً.

أحد الدوافع الأساسية لغياب موقف المثقف العربي السوري (لدى الغالبية) هو الخوف المركّب؛ خوف لا يقتصر على القمع المباشر أو الملاحقة الأمنية، وإنما يمتد إلى الخوف من خسارة الموقع الرمزي داخل الجماعة الثقافية ذاتها، فالمثقف يتحرك داخل شبكة من العلاقات والاصطفافات والولاءات غير المعلنة. وأي موقف واضح قد يُفسَّر – عمداً أو جهلاً – على أنه انحياز سياسي أو قومي، لا كموقف أخلاقي وإنساني. فالمثقف الذي يجرؤ على كسر الإجماع القومي، غالباً ما يُوصم بالخيانة أو يُتهم بالانفصال، ما يدفع كثيرين لتجنب تبني مواقف قد تُضعف من شرعيتهم داخل المشهد العربي العام.

ومن هنا أصل إلى العبارة التي أعي تماماً حساسيتها، لكنني أراها نتيجة منطقية لا شعاراً صدامياً: «مَن لا يعترف بقوميتي ولا يحترمها، لا يمكنه أن يطالبني بتبنّي هُويّته»، وليست هذه دعوة إلى القطيعة أو إنكار الآخر، وإنما دفاع عن حق الاعتراف المتبادل والوجود التاريخي، فحين يُصرّ البعض على إنكار تسميتي وهُويّتي الحقيقية، فإنه يُمارس عنفاً رمزياً يُشبه في جوهره كل أشكال الإلغاء التي عرفها التاريخ، من طمس الآخر وتذويبه، إلى محو صوته وتاريخه، هذه العبارة تعبير مكثّف عن اختلال العلاقة بين مبدأي العدالة والاعتراف، حين يُطلب من المُقصى أن يُهادن، ومن المهمَّش أن يصمت، حفاظاً على صورة وطن لا يعترف به.

تتقاطع هذه الإشكالية مع المسألة الكوردية، التي ما زالت في الخطاب القومي العربي التقليدي، تُعامل كسؤال مؤجَّل أو مشكلة ينبغي احتواؤها لا الاعتراف بها، خطاب لم ينجز بعد مراجعاته العميقة، وما زال ينظر إلى الوجود الكوردي بوصفه أمراً إشكالياً أو محرجاً، وهنا يكمن جوهر الأزمة المعرفية.

يضاف إلى ذلك اللايقين المتذرّع به، حيث يختبئ بعض المثقفين خلف تعقيد المشهد وتشابك الأطراف لتبرير الغياب، غير أن هذا اللايقين يخفي في كثير من الأحيان كسلاً فكرياً أو إن صحّ التوصيف امتناعاً عن بذل الجهد اللازم لفهم السياق خارج الروايات الجاهزة إيديولوجياً وإقليمياً. فالالتباس، بدل أن يكون دافعاً للتحليل، يتحوّل إلى ذريعة للصمت.

كما يحضر تأجيل الوعي كدافع ضمني وخطير؛ إذ يُرجئ المثقف موقفه إلى «ما بعد اتضاح الصورة»، وكأن الأخلاق تنتظر اكتمال الأرشيف، لكن الزمن الأخلاقي لا يعمل وفق منطق التراكم المعرفي البارد؛ فهذه كذبة يؤلّفها ذاك المثقف ويصدّقها ويروّج لها، إن الزمن الأخلاقي يعمل وفق الاستجابة للمأساة في لحظتها، والموقف الذي يأتي بعد انقضاء الحدث يفقد جوهره، ويتحوّل إلى تعليق متأخر لا يغيّر شيئاً.

لا يمكن فهم هذا الغياب بمعزل عن الأزمة البنيوية في دور المثقف السوري، حيث جرى على مدى عقود تفريغه من وظيفته النقدية وتحويله إلى ناقل خطاب أو شاهد حذر يكتفي بوصف السطح. هذا المسار الطويل من التدجين أنتج مثقفاً يخشى الخروج من منطقة «السلامة الرمزية»، حيث لا خاسرين ولا خصومات.

إن أخطر ما ينتج عن غياب موقف المثقف هو تحوّل الحياد إلى موقف سلبي يساهم في تطبيع الظلم، فحين يغيب الصوت النقدي تُترك الساحة للسرديات القسرية، ويُعاد تعريف الحدث بمنطق القوة لا بمنطق العدالة والحقوق المشروعة، كما يؤدي ذلك إلى تعميق الشرخ بين المكونات السورية، وتكريس شعور الإقصاء، وتقويض أي إمكانية مستقبلية لبناء عقد وطني قائم على الاعتراف المتبادل والشراكة في العيش الكريم.

ولا يقلّ خطورة عن ذلك، هو تخاذل بعض المثقفين الكورد، الذين اختاروا الاصطفاف مع سرديات سلطوية أو تبرير ممارسات تنقلب في النهاية ضد مجتمعهم نفسه. هذا التخاذل مهما كانت مبرراته فهو يضرب فكرة العدالة من الداخل، ويحوّل المثقف من صوت مساءلة إلى شاهد يجمّل العنف أو يصمت عنه حين يصدر ضد أهله.

في المحصّلة لا يمكن اعتبار غياب موقف المثقف العربي السوري – أو أي مثقف – حياداً بريئاً أو حذراً مشروعاً، فالغياب في لحظات الاختبار الكبرى موقف مقنّع. ومن لا ينحاز إلى الإنسان حين يُختبر يفقد مبرر وجوده الرمزي، ويتحوّل من أداة مساءلة إلى جزء من المشكلة.

إن استعادة الدور الحقيقي للمثقف تبدأ من الاعتراف بأن العدالة لا تُجزّأ، وأن الصمت أمام الظلم مهما كانت مبرراته، يبقى مشاركة غير مباشرة في استمراره، والموقف مهما كان مكلفاً يظل أقل كلفة أخلاقية من الغياب الدائم.

أخيراً وليس آخراً، إن أخطر ما يمكن أن يصيب الثقافة هو انخراط المثقف – واعياً كان أم غير واعٍ – في إنتاج خطاب يشرعن الإقصاء والإلغاء، ويعيد تدوير الصور النمطية، ويمنح الكراهية غطاء معرفياً. فالمثقف بحكم أدواته وتأثيره، لا يعكس الشارع فحسب، على العكس، هو يساهم في تشكيله، وحين يفشل أخلاقياً، يزرع فشله في الوعي الجمعي، لا في نصوصه وحدها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين في شتاء عام ١٩٦٨ وبعد حضوري مؤتمر جمعية الطلبة الاكراد في أوروبا المنعقد في العاصمة اليوغسلافية ( سابقا ) بلغراد ممثلا ( للبارتي الديموقراطي الكردي اليساري – سابقا ) ، وعودتي عن طريق البر ( كمرحلة أولى ) بصحبة السكرتير الأسبق للحزب الديموقراطي الكردستاني الأستاذ – حبيب محمد كريم – الذي مثل حزبه بالمؤتمر والصديق الأستاذ – دارا…

كفاح محمود في منطقتنا مفارقة تُشبه الكوميديا السوداء: أنظمةٌ تُظهر براعةً مذهلة في فتح القنوات مع خصومها الخارجيين، وتُتقن لغة الصفقات حين يتعلق الأمر بالخارج… لكنها تتلعثم وتتصلّب وتُفرط في التعقيد عندما يصل الحديث إلى شعوبها ومكوّناتها، كأن المصالحة مع الآخر البعيد أسهل من التفاهم مع الشريك القريب، وكأن الدولة لا تُدار كمظلّة مواطنة، بل كحلبة لإدارة التناقضات وتأجيل الحلول….

شادي حاجي يُفترض أن يقوم النظام الدولي المعاصر على أسس قانونية وأخلاقية واضحة، أبرزها احترام سيادة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها، كما نصّت عليه مواثيق الأمم المتحدة والعهدان الدوليان. غير أن الواقع العملي للعلاقات الدولية يكشف عن تناقض بنيوي بين هذه المبادئ المعلنة وبين آليات التطبيق الفعلي، حيث تتحكم اعتبارات القوة والمصلحة الجيوسياسية في صياغة المواقف الدولية. وتُعد القضية…

انا المواطن محمد امين شيخ عبدي المعروف بـ(( شيخ امين ))، والمقيم في دمشق، خريج سجون حافظ الاسد (( 100 شهر عرفي آب 1973 – تشرين الثاني 1981 ))، عضو المكتب السياسي للبارتي حتى آب 2011، وعضو هيئة رئاسة اعلان دمشق منذ عام 2007. اتقدم بطلبي ودعوتي هذه الى سيادة رئيس الجمهورية احمد الشرع: اولا:اطالب باقالة كل من السادة: اللواء…