لا يمكن حجب الشمس بالغربال: انتفاضة إيران تقترب من حسم المصير

نظام مير محمدي *

 

يواجه النظام الإيراني اليوم وضعاً عصيباً لم يسبق له مثيل طوال الـ ٤٧ عاماً الماضية. ورغم أن السلطة في طهران لم تتفاجأ باندلاع الانتفاضة الحالية — نظراً لتراكم العوامل الموضوعية لانفجارها — إلا أن ارتباكها في التعامل مع الزخم الشعبي المتصاعد منذ ۲۸ ديسمبر ۲۰۲۵، يعكس عجزاً بنيوياً في إدارة الأزمة. لقد أثبتت الأيام الماضية أن إرادة الشعب أقوى من آلة القمع، وأن “شعاع الشمس لا يمكن إخفاؤه بغربال”.

 

مخططات التضليل وانكشاف الحقيقة

جرياً على عادته في محاولة حرف الأنظار عن الهدف الأساسي المتمثل في إسقاط النظام، حاول نظام ولاية الفقيه اختلاق “عدو وهمي”. لقد بادر النظام عبر أجهزته الاستخباراتية إلى فبركة فيديوهات تروج لشعارات تدعم نظام الشاه البائد، في مسعى يائس لتخويف المجتمع الدولي من البديل وتشويه صورة الانتفاضة. إن هذا المسعى المشبوه يهدف بالأساس إلى التغطية على الدور القيادي لمنظمة “مجاهدي خلق” الإيرانية ووحدات المقاومة التابعة لها، والتي قدمت ۱۲۰ ألف شهيد في سبیل الحرية، وتعد اليوم القوة الوطنية الأكثر تنظيماً وقدرة على قيادة الشارع وتعبئته.

إن دعوات الحوار “المثيرة للشفقة” التي أطلقها رئيس النظام مسعود بزشكيان، والتمييز المزعوم بين “محتجين محقين” و”مثيري شغب”، ما هي إلا أوراق محترقة تهدف إلى كسب الوقت. بيد أن الشعب الإيراني، الذي عانى من الدكتاتورية بنسختيها الملكية والدينية، صمم هذه المرة على طي صفحة الاستبداد إلى الأبد، وهو ما تجسد في شعارات الشارع التي ترفض كافة أشكال القمع التاريخي.

 

بركان الغضب: تجاوز جدار الرعب

مع دخول الانتفاضة أسبوعها الثاني، شهد الجدار الأمني للنظام انهياراً غير مسبوق. إن التحول النوعي في المواجهات المباشرة، وتزايد حالات فرار عناصر القمع أمام صمود “الشباب الثوار” في مدن مثل بجنورد، آبادان، وقزوين، يعيد إلى الأذهان المشاهد الأخيرة لسقوط نظام الشاه في عام ۱۹۷۹. لقد تحول تحذير السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمقاومة الإيرانية، بأن “بركان الغضب سيعصف بخامنئي” إلى واقع ميداني تلمسه أجهزة النظام في كل زقاق وشارع.

إن ما يزيد من ذعر السلطة هو الطابع السياسي الصرف لهذه الاحتجاجات؛ فالشعارات لم تعد تقتصر على المطالب المعيشية رغم وصول سعر الدولار إلى ۱٤٥ ألف تومان، بل تركزت حول رأس الهرم: “الموت لخامنئي”. هذا الاندفاع الجماهيري ضاعف من حالة اليأس لدى البسیج والحرس الثوري، الذين باتوا يشعرون بأنهم يخوضون “معركة خاسرة” من أجل بقاء نظام متهاوٍ.

 

بين الانهيار الداخلي والعزلة الدولية

اليوم، وفي ظل تداول تقارير استخباراتية دولية تشير إلى وجود خطط جاهزة لهروب خامنئي والدائرة المقربة منه في حال الانهيار الشامل، يبدو أن النظام فقد “عمقه الاستراتيجي”. إن سقوط حلفائه في المنطقة والضغوط الدولية المتزايدة، بالتزامن مع التغطية الإعلامية غير المسبوقة لجرائم النظام — كالهجوم على المستشفيات واختطاف الجرحى — وضعت طهران في عزلة خانقة.

لقد سقطت ورقة “التدخل الخارجي” التي طالما وظفها النظام لإخماد الثورات السابقة. المواجهات الباسلة للمنتفضين تؤكد أن المحرك الحقيقي هو غضب وطني أصيل لا يمكن احتواؤه. إن “جرة” النظام التي سلمت في انتفاضات سابقة لأسباب وعوامل متباينة، تحطمت هذه المرة على صخرة الصمود الشعبي.

 

الخلاصة: زمن المحاسبة قد حان

إن الجهد العبثي الذي يبذله النظام للتغطية على الدور الفعال للمقاومة الإيرانية في حشد الدعم الدولي وتوجيه الحراك الميداني لن يحقق أية نتيجة. فالحقيقة الساطعة هي أن الشعب الإيراني قد قرر حسم مصيره، وأن حمم بركان الغضب لن تتوقف حتى تجرف معها بقايا الاستبداد الديني. لقد حان وقت المحاسبة، وفجر الحرية في إيران بات أقرب من أي وقت مضى؛ لأن “شعاع الشمس” الذي يمثله وعي الشعب، لا يمكن أن يحجبه غربال الأكاذيب والمؤامرات.

* كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ادريس عمر منذ عام 1979، ومع انتصار ما سُمّي بالثورة الإسلامية في إيران، وإسقاط الحكم الملكي، دخلت البلاد مرحلة جديدة كان يُفترض أن تحمل الحرية والعدالة والكرامة للشعب الإيراني بكل مكوّناته القومية والدينية. إلا أنّ ما جرى على أرض الواقع كان عكس ذلك تماماً. فمع وصول روح الله الخميني إلى الحكم، ثم انتقال السلطة بعد وفاته إلى علي خامنئي، ترسّخ…

صلاح عمر ما يتكشف اليوم في المشهد السوري، وبصورة أكثر خطورة في حلب، لم يعد يحتاج إلى كثير من التحليل لفهم اتجاه الريح. سلطات دمشق، ومعها فصائلها الوظيفية، تتحضّر بوضوح لهجوم جديد وواسع، هدفه اقتحام الأحياء الكردية وكسر إرادة أهلها، في محاولة قديمة بثوب جديد لإعادة إنتاج معادلة الإخضاع بالقوة. لكن ما يغيب عن حساباتهم، أو يتجاهلونه عن عمد، أن…

سمكو عمر لعلي قبل الحديث عن تطبيق القانون، لا بدّ من التذكير بحقيقة بديهية كثيراً ما يتم تجاهلها، وهي أنّ من يتصدّى لتطبيق القانون يجب أن يكون قانونياً في سلوكه، شرعياً في مصدر سلطته، ومسؤولًا في ممارساته. فالقانون ليس نصوصاً جامدة تُستَخدم متى شِئنا وتُهمَل متى تعارضت مع المصالح، بل هو منظومة أخلاقية وسياسية قبل أن يكون أداة حكم. وهنا…

شـــريف علي لم تكن رسالة الرئيس مسعود بارزاني بشأن هجوم قوات الحكومة السورية على الأحياء الكوردية في حلب – الأشرفية وشيخ مقصود – مجرد موقف تضامني أو رد فعل سريع، بل كانت إعلاناً سياسياً واضحاً بأن الوجود الكوردي في سوريا لم يعد مكشوفاً ولا متروكاً لمعادلات القوة التي تحاول دمشق فرضها، على غرار محاولاتها في الساحل السوري والسويداء. ورغم شراسة…