حين يُطالَب الضحية بتقديم دليل على ما سُرق منها

 بنكين محمد
ليس كل سؤال بريئًا، وليس كل استفهام بحثًا عن معرفة. فبعض الأسئلة تُطرح لا لاكتشاف الحقيقة، بل لطمسها، ولا للفهم، بل للتشكيك والإنكار.
ومن هذا القبيل يأتي السؤال المستفز:
اتركك من الفتوحات والحضارة العربية، حدّثنا عن حضارتك الكوردية؟
هذا السؤال، حين يُطرح بهذا السياق، لا يمكن اعتباره نقاشًا فكريًا، بل هو محاكمة للضحية بأدوات الجلاد، ومحاولة وقحة لقلب الحقائق، وكأن من سُلب تاريخه مطالب اليوم بإثبات أنه كان موجودًا أصلًا.
تخيّل أن يأتيك قوم من خارج أرضك، تحت شعارات كبرى: نشر الدين، إقامة العدل، وإنهاء الظلم. ثم لا يكتفون بالسيطرة السياسية والعسكرية، بل يمتد فعلهم إلى إعادة تشكيل الإنسان نفسه: لغته، ذاكرته، ثقافته، وتاريخه.
يُعاد تعريفك لا كما أنت، بل كما يريدونك أن تكون: تابعًا، ملحقًا، أو منسيًا.
وحين تُمحى قرون كاملة من تاريخ شعب، لا يحدث ذلك صدفة. بل يتم عبر منظومة متكاملة:
– سلطة سياسية تمنع اللغة
– مناهج تعليمية تعيد كتابة الجغرافيا
– إعلام يُقصي الهوية
– خطاب ديني أو قومي يُبرّر الإلغاء باسم الوحدة أو العقيدة
هذا ما حدث للكورد، وليس ادعاءً ولا مبالغة.
فالكورد لم يُهزموا حضاريًا بقدر ما جُرِّدوا من حق تمثيل أنفسهم تاريخيًا.
في سوريا، جرى التعامل مع الوجود الكوردي كخلل يجب تصحيحه:
سُرقت الأرض، غُيّرت الأسماء، أُخفيت الآثار، وحُرِّفت الروايات، ونُسب الإرث الحضاري قسرًا إلى روايات قومية سائدة. لم يكن الهدف البحث عن الحقيقة، بل إنتاج تاريخٍ يخدم السلطة.
وفي تركيا، إيران، والعراق، لم يكن المشهد مختلفًا كثيرًا.
قُمعت اللغة، شُوّهت الهوية، وأُعيد تعريف الكوردي كـمشكلة أمنية أو تهديد قومي ، لا كشعبٍ له حق طبيعي في الوجود والتاريخ.
ثم، بعد كل هذا الطمس المنهجي، وبعد أن كُتبت الكتب، وصُنعت الخرائط، وأُنتجت المناهج، واحتُكرت المنابر…
يخرج علينا البعض ليسأل بوقاحة:
أين حضارتكم؟
أي منطق هذا؟
وأي انفصال أخلاقي يسمح لشخص أن يسأل عن آثارٍ وهو يعلم – أو يتجاهل عمدًا – أنه شارك في دفنها؟
الحضارات لا تُقاس فقط بما تبقى من حجارة، بل بما سُمح لها أن تُورِّثه.
وحين يُمنع شعب من لغته، ومن تدوين تاريخه، ومن تأسيس مؤسساته، ثم يُحاسَب على غياب حضارته ، فإننا أمام ازدواجية فكرية فاضحة لا علاقة لها بالبحث العلمي.
إن سؤال أين حضارتكم؟ لا يكشف جهلًا فقط، بل يكشف ذهنيّة المنتصر التي لا ترى في التاريخ سوى مرآة لنفسها، ولا تعترف إلا بما كتبته بيدها، أو فرضته بقوتها.
والحقيقة التي لا يريد البعض الاعتراف بها هي أن الحضارة الكوردية لم تختفِ، بل حُوصرت.
لم تُهزم، بل مُنعت من الكلام.
ولم تُمحَ، بل أُقصيت عن الذاكرة الرسمية.
الاعتراف بهذه الحقيقة لا ينتقص من أي شعب، ولا يهدد أي هوية، بل يضع الجميع أمام مسؤولية أخلاقية:
إما أن نستمر في إعادة إنتاج روايات الإقصاء،
أو نمتلك الشجاعة لإعادة قراءة التاريخ بعدالة، دون عنصرية، ودون إنكار.
لذلك، فالسؤال الحقيقي ليس:
أين الحضارة الكوردية؟
بل:
من قرر أي الحضارات تُرى، وأيها تُدفن؟
ومن يملك حق الكلام، ومن فُرض عليه الصمت؟
حين نجرؤ على مواجهة هذه الأسئلة، نكون قد اقتربنا خطوة من الحقيقة…
وخطوة أخرى من العدالة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ملف « ولاتي مه » حول انتخاب رئيس جمهورية العراق (3) ضمن ملفه الخاص حول انتخاب رئيس جمهورية العراق، يواصل موقع «ولاتي مه» تناول الإشكاليات السياسية الكردية المرتبطة بهذا الاستحقاق الدستوري، في ظل الانقسام الداخلي وتداخل التوازنات العراقية الأوسع، وانعكاس ذلك على موقع الكورد ودورهم في بغداد. وفي هذه الحلقة، يقدم الإعلامي والمحلل السياسي الأستاذ محمد…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* عشية التحولات المصيرية في إيران، ظهرت علامات انهيار نظام ولاية الفقيه بشكل أوضح من أي وقت مضى. لقد اجتاحت موجة جديدة من الانتفاضات الشعبية مختلف المدن والشرائح الاجتماعية، متحديةً هيكل السلطة المتهالك. وفي مثل هذه الظروف، يثير التنشيط المفاجئ للعناصر التابعة للديكتاتورية السابقة (البلهوية) تساؤلات وشكوكاً جادة. هذه التحركات ليست ظاهرة عفوية، بل هي جزء من…

إبراهيم اليوسف   اتصل بي الصديق أحمد نعسو، في اليوم الأول، من انتفاضة آذار2004، وقال لي: استعد لتقديم مداخلة عما يتم في قامشلي- قبل أن أغادرها- لفضائية- العربية- ولم تمض دقائق حتى اتصل بي أحد موظفي” العلاقات” في الفضائية، وقال: في الساعة- كذا ليلاً- سنتصل بك حول ما يجري في قامشلي، ليتصل بي آخر بعد مرور بعض الوقت، قائلاً: ما…

عبدالعزيز قاسم منذ أيام يشن جيش حكومة الجولاني، وبإسناد تركي مباشر وواضح، حربا مفتوحة على الحيين الكرديين الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، حربا ليست كالحروب؛ جيش مجهز يهاجم أحياء سكنية بالصواريخ والدبابات والمدفعية الثقيلة والطائرات المسيرة بلا أي وجود عسكري مقابل، في محاولة لكسر إرادة السكان وفرض وقائع بالقوة، وهو ما يرقى إلى جرائم حرب وإبادة جماعية مكتملة…