دلالات الرموز على العملة السورية الجديدة

قدمت العملة الوطنية الجديدة قراءة بصرية للهوية السورية بامتدادها الجغرافي والإنساني، من شمال البلاد إلى جنوبها، ومن ساحلها إلى باديتها، فقد جاء تصميمها معتمداً على رموز مستمدة من الطبيعة والحياة اليومية، بما يعكس تنوّع البيئات السورية وتكاملها، بعيداً عن التكلف أو الرمزية المغلقة.

وقدّمت هذه الرموز، البسيطة في شكلها والقريبة من وجدان المواطن، سرداً بصرياً يوحّد الجغرافيا بالموروث الثقافي والإنتاجي، ويجعل من العملة أداة تعبير عن الحياة السورية بكل تفاصيلها، لا مجرد وسيط للتداول الاقتصادي.

من الورد إلى القمح

حملت فئة العشر ليرات وردةً شامية التي لطالما كانت رمزاً تاريخياً لمدينة دمشق، ويعبر وجودها عن دلالات حضارية وثقافية تشير إلى عراقة المكان واستمرارية الحياة، كما توحي بالجمال والصمود، لا سيما أن الورد الجوري الدمشقي يُعرف باستمراره رغم الظروف القاسية.

وإلى جانب الوردة الشامية، جاءت الفراشة التي ترمز إلى الحياة والتجدد، وتشير إلى الاستمرارية والأمل، خاصة عند اقترانها بالزهور، ويعزّز حضورها في هذه الورقة النقدية البعد الجمالي الطبيعي، مقابل الرموز الهندسية والرسمية، بما يحقق توازناً بين الصلابة والليونة.

ويظهر الجمع بين الوردة الشامية والفراشة رسالةً بصرية متكاملة، إذ تمثّل الأولى الجذور والهوية، بينما ترمز الثانية إلى الحركة والنمو، وبالتالي يتحقق توازن بين الأصالة والاستمرار من جهة، والتجدد والأمل من جهة أخرى.

أما فئة الخمس والعشرين ليرة، فقد حملت رمز التوت الشامي، الذي يُعدّ من المكونات الطبيعية والتراثية المرتبطة بدمشق وريفها، ويرمز إلى الارتباط بالأرض، وإلى البساطة والاستمرارية بوصفه محصولاً قريباً من الناس.

وعلى الجانب الآخر، جاء طائر السنونو، وهو رمز للعودة والبدايات الجديدة، إذ يرتبط هذا الطائر بمواسم الهجرة والرجوع، وبالتالي فإن وجوده يحمل دلالة على الأمل والتجدد والحياة، فضلاً عن كونه طائراً حراً مسالماً وقريباً من بيوت السوريين.

ويشير الجمع بين الرمزين إلى مشهد الحياة المتجددة، فالتوت يرمز إلى الأرض والاستقرار، بينما يرمز السنونو إلى الهجرة والعودة، في رسالة بصرية تعبّر عن التجدد المرتبط بالجذور.

في المقابل، حملت فئة الخمسين ليرة رمزين، أولهما البرتقالة التي ترمز إلى أحد أهم المحاصيل في الساحل السوري، وتعبر عن العطاء والاستمرارية الاقتصادية، إذ يُعدّ محصول الحمضيات من الركائز الأساسية التي يعتمد عليها السكان في اللاذقية وطرطوس، كما يحمل وجودها بعداً يعكس الإنتاج والعمل اليومي.

كما حملت هذه الفئة الصدفة التي ترمز إلى البحر المتوسط، وتشير إلى الحماية والاحتواء، لا سيما أن الصدفة تخفي ما بداخلها وتحفظه.

وبشكل عام، يجسّد الجمع بين الحمضيات والصدفة الهوية الطبيعية والاقتصادية للساحل السوري، ويربط هذه الفئة النقدية بمصادر رزق السكان والبيئة المحلية.

أما فئة المئة ليرة، فقد حملت القطن الذي يرمز إلى المنطقة الشرقية في سوريا بوصفها الحاضنة الأساسية لهذه الزراعة، ويشير وجوده إلى الدور الزراعي والاقتصادي لتلك المنطقة، فضلاً عن دلالته على العمل والاستمرارية.

وعلى المقلب الآخر، جاء الغزال رمز الحرية والرشاقة، ويشير حضوره على هذه الفئة النقدية إلى الحياة البرية والتنوع البيئي، لا سيما البيئة المفتوحة للبادية والشرق السوري.

ويحمل وجود هذين الرمزين دلالة مشتركة، فإلى جانب تمثيل هوية المنطقة الشرقية، يشيران إلى الإنسان المنتج المرتبط بالأرض والزراعة، وإلى الطبيعة الحية التي تشكّل جزءاً من المشهد الجغرافي والثقافي.

أما فئة المئتي ليرة، فقد تضمّنت الزيتون الذي يشكّل محصولاً رئيساً في شمال سوريا وغربها وجنوبها، ولطالما ارتبطت هذه الشجرة بدلالات السلام والصمود والاستمرارية، إضافة إلى البقاء والعمل طويل النفس.

كما حملت هذه الفئة صورة الفرس العربي، الذي يرمز إلى القوة والأصالة والجمال، ويرتبط بالبادية السورية والتاريخ العربي عموماً.

ويشير الجمع بين الزيتون والفرس إلى التوازن بين الجذور والحركة؛ فالزيتون يرمز إلى التشبث بالأرض، بينما يجسّد الفرس الحرية والانطلاق.

أما فئة الخمسمائة ليرة، فقد حملت القمح، بوصفه المحصول الاستراتيجي الأهم في سوريا، والذي يعبّر عن مختلف محافظاتها، ويعكس هذا الرمز بعداً اقتصادياً واجتماعياً، لا سيما أنه نتاج عمل الفلاحين وركيزة أساسية للمعيشة في البلاد.

كما حملت هذه الفئة صورة عصفور الدوري، الطائر المألوف في المدن والأرياف السورية، والذي يرمز إلى الحياة البسيطة والقدرة على التكيّف مع مختلف البيئات والظروف، ويحمل وجوده بعداً جمالياً، لا سيما أنه معروف بصوته المميّز.

ويعبّر الجمع بين القمح وعصفور الدوري عن ثنائية الاستمرارية والاعتماد على الذات في العيش اليومي، فالقمح يمثل أساس الغذاء والعمل الزراعي، بينما يمثّل الدوري الإنسان البسيط وحياته القريبة من الأرض.

عناصر جامعة

في المحصلة، تكشف العملة الوطنية الجديدة عن توجه بصري يستند إلى الطبيعة والإنتاج والحياة اليومية بوصفها عناصر جامعة للهوية السورية، فمن خلال رموز مستمدة من الأرض والبيئة والإنسان، تعكس هذه الفئات تنوّع الجغرافيا والاقتصاد والثقافة، وتربط النقد بالذاكرة المحلية والمعيشة الواقعية للمواطن.

وبذلك، تتحول العملة من مجرد أداة للتداول إلى مساحة رمزية تعبّر عن سوريا بكل محافظاتها، وتقدّم سرداً بصرياً يوحّد بين الجذور والاستمرارية، ويجعل من البساطة والاقتراب من الحياة اليومية جوهر هذا الإصدار الجديد.

======= 

الثورة السورية – العدد (22) 30-12-2025

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

آخين ولات ليست مسألة انتماء الكرد إلى الدول التي يعيشون فيها قضية يمكن اختزالها في اتهاماتٍ جاهزة أو أحكامٍ مسبقة عن “الولاء” و”الاندماج”. إنها، في جوهرها، مرآةٌ تكشف طبيعة العلاقة بين الدولة ومواطنيها، وحدود قدرتها على استيعاب التعدد داخل إطارٍ وطنيٍ جامع. فعلى مدى قرنٍ تقريباً، نشأت في المنطقة دولٌ حديثةٌ رفعت شعارات الوحدة والسيادة، لكنها تعاملت مع التنوع القومي…

عنايت ديكو هناك خيط واحد يربط بين كلّ ما يجري على الأرض السورية معاً: تُعتبر القضية الكوردية، والخوف المزمن للسلطة من الكورد، لغةً وهويةً ووجوداً وتاريخاً، من أصعب التحديات والعوائق التي تواجهها الحكومة العربية السورية منذ تسلّمها الحكمدارية في دمشق وحتى هذه اللحظة. فالقضية الكوردية وتشعّباتها، لها تأثيرات مباشرة وغير مباشرة على شرعية الحكم في سوريا. اليوم، وبعد الاستسلام العسكري…

خالد حسو القضية الكوردية ليست قضية حزب أو تيار أو رؤية سياسية محددة، بل هي قضية شعب يمتلك تاريخاً وهويةً وحقوقاً مشروعة سعى للحفاظ عليها عبر عقود طويلة من التحديات والمعاناة. ومن هنا، فإن اختزال هذه القضية الواسعة ضمن إطار ضيق أو ربطها برأي واحد فقط، لا يخدم جوهرها الحقيقي ولا يعكس تنوع المجتمع الكوردي وغناه الفكري والسياسي. الاختلاف في…

زاهد العلواني ماموستا صلاح بدرالدين لسان حاله يقول: الشعب الكردي يريد قيادة شرعية لا أوصياء أحزاب. وكلامه هذه يعبّر عن وجع شريحة واسعة من أبناء الشعب الكردي السوري الذين تعبوا من دوامة الشعارات الفارغة، والانقسامات الحزبية والعدد تجاوز “38” والوعود التي استُهلكت منذ سنوات دون أي نتيجة حقيقية على الأرض. لقد تحولت بعض القيادات الحزبية إلى مراكز نفوذ مغلقة، همّها…