اتفاق آذار بين منطق السلاح وغياب الإرادة… وكونفرانس نيسان كمرجعية القرار الكوردي في سوريا

حوران حم

 

في التجربة السياسية السورية، لم تكن الاتفاقات الأمنية يومًا مدخلًا لحلول دائمة، بل غالبًا ما شكّلت أدوات مؤقتة لإدارة الأزمات وتأجيل انفجارها. ومن هذا المنظور تحديدًا، يمكن قراءة اتفاق آذار، لا بوصفه محطة سياسية جامعة، بل كتفاهم أمني–عسكري فرضته توازنات ميدانية وضغوط إقليمية، بعيدًا عن أي مسار ديمقراطي أو تشاركي يعكس الإرادة الحقيقية للشعب الكوردي في سوريا.

فالاتفاق، منذ الإعلان عنه، لم يُقدَّم كنتاج حوار سياسي شامل، ولم يُسبق بنقاش علني داخل الأوساط الكوردية، ولا عُرض على مرجعية قومية منتخبة أو جامعة. جاء من الأعلى إلى الأسفل، محكومًا بمنطق القوة والضرورة، لا بمنطق التفويض الشعبي. ولهذا، فإن محاولة تقديمه اليوم بوصفه تعبيرًا عن “خيار الكورد” تمثل خلطًا متعمدًا بين ما هو أمني عابر، وما هو سياسي شرعي.

إن جوهر الإشكالية لا يكمن فقط في مضمون اتفاق آذار، بل في طبيعته. فهو اتفاق يعالج السلاح قبل الحقوق، وينظّم الواقع العسكري قبل أن يلامس جذور القضية القومية. وفي السياق الكوردي، لا يمكن فصل السياسة عن التاريخ، ولا فصل الحاضر عن عقود من الإنكار والتهميش. لذلك، فإن أي مقاربة تتجاوز هذه الخلفية، وتتعامل مع الكورد بوصفهم طرفًا أمنيًا يجب احتواؤه، لا شعبًا صاحب قضية، هي مقاربة محكومة بالفشل.

في المقابل، جاءت لحظة كونفرانس 26 نيسان/أبريل 2025 لتشكّل انعطافة مختلفة في المسار الكوردي، لا من حيث الشكل فحسب، بل من حيث الجوهر. فهذا الكونفرانس لم يكن ردّ فعل آنيًا، ولا تجمعًا نخبويًا ضيقًا، بل تعبيرًا تراكميًا عن حالة سياسية وشعبية وصلت إلى قناعة مفادها أن القضية الكوردية لا يمكن أن تبقى رهينة تفاهمات أمنية تُبرم باسمها دون تفويض.

لقد مثّل الكونفرانس مساحة جامعة، التقت فيها قوى سياسية، وشخصيات وطنية، وفعاليات اجتماعية وثقافية، لتقول بوضوح إن الكورد قومية أصيلة في سوريا، لهم حق تقرير شكل شراكتهم في الدولة، لا الاكتفاء بقبول ما يُعرض عليهم تحت ضغط اللحظة. ومن هنا، فإن الميثاق السياسي الصادر عن الكونفرانس لم يكن وثيقة شكلية، بل إعلان مبادئ أعاد تعريف القضية الكوردية بوصفها قضية حقوق قومية ودستورية، لا ملفًا أمنيًا.

إن تكليف لجنة للحوار المنبثقة عن هذا الكونفرانس يمنح أي مسار تفاوضي قادم شرعية حقيقية، لأنه يستند إلى إرادة غالبية سياسية وشعبية، لا إلى تفاهمات عسكرية محدودة. وهذه النقطة بالذات هي ما يفتقده اتفاق آذار، الذي لا يملك غطاءً سياسيًا جامعًا، ولا تفويضًا قوميًا واضحًا.

ولا يمكن قراءة تحرّكات الفصائل المسلحة المتفلتة، وما رافقها من تصعيد في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية، بمعزل عن التوقيت السياسي الذي جاءت فيه. فالتزامن اللافت بين هذه الأحداث الميدانية وبين زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، ووزير الدفاع، ورئيس جهاز الاستخبارات التركية، لا يمكن اعتباره تفصيلًا عابرًا أو محض مصادفة. في السياسة، كما في الأمن، التوقيت رسالة بحد ذاته، وما جرى على الأرض بدا وكأنه ترجمة ميدانية لرسائل إقليمية أرادت أنقرة إيصالها في لحظة سياسية حساسة.

لقد درجت تركيا، طوال سنوات الأزمة السورية، على استخدام الفصائل المسلحة كأدوات ضغط، لا كقوى مستقلة في قرارها. وهذه الفصائل، التي تفتقر إلى أي مشروع وطني سوري، تتحرك غالبًا وفق إيقاع إقليمي واضح، يتصاعد أو يهدأ تبعًا لحسابات أنقرة، لا لمصالح السكان المحليين. ومن هنا، فإن اندلاع التوترات بالتزامن مع هذه الزيارة رفيعة المستوى يعكس، مرة أخرى، هشاشة أي تفاهمات أمنية لا تأخذ في الحسبان العامل التركي ودوره التخريبي المستمر في الملف الكوردي السوري.

الرسالة التي أرادت أنقرة إيصالها تبدو واضحة: أي مسار سياسي لا يراعي “الهواجس الأمنية التركية”، كما تسميها، سيبقى عرضة للاهتزاز عبر أدوات ميدانية جاهزة للاستخدام. وهو ما يفرغ اتفاق آذار، أصلًا، من أي مضمون سيادي سوري، ويحوّله إلى ورقة تفاهم محكومة بإرادة خارجية، لا بإرادة وطنية أو كوردية.

الأخطر من ذلك أن هذه التحركات جاءت في لحظة كان يُفترض فيها تهدئة الأجواء، وفتح المجال أمام مسار سياسي حقيقي تقوده مرجعيات شرعية، وعلى رأسها كونفرانس 26 نيسان وميثاقه. لكن بدل دعم هذا المسار، جرى دفع المشهد نحو الفوضى، واستُخدم السلاح والإعلام التحريضي و”فزعة العشائر” كأدوات لإعادة خلط الأوراق، وتشويش البوصلة، وضرب أي محاولة لتثبيت إرادة كوردية مستقلة عن الإملاءات الإقليمية.

وهنا تتكشف حقيقة أخرى: أن اتفاقات من طراز اتفاق آذار، حين لا تستند إلى مرجعية سياسية منتخبة، ولا تمتلك غطاءً شعبيًا، تصبح سهلة الاختراق، وسريعة الانهيار عند أول ضغط خارجي. فالفصائل التي حرّكت الشارع والسلاح لم تفعل ذلك دفاعًا عن “وحدة سوريا”، كما ادّعت بعض المنابر الإعلامية، بل في سياق توظيف سياسي يخدم أجندة إقليمية واضحة، هدفها منع تبلور أي مشروع كوردستاني سوري قائم على الفيدرالية والاعتراف الدستوري.

إن هذا التزامن بين الزيارة التركية والتصعيد الميداني يضيف دليلًا إضافيًا على أن المسألة الكوردية في سوريا لا يمكن اختزالها في تفاهمات أمنية داخلية، ولا يمكن عزلها عن الصراع الإقليمي. كما يؤكد، مرة أخرى، صحة الخيار الذي عبّر عنه كونفرانس 26 نيسان، حين شدد على ضرورة امتلاك الكورد لمرجعية سياسية مستقلة، قادرة على التفاوض من موقع الندية، لا من موقع ردّ الفعل.

في هذا السياق، يصبح الإصرار على توصيف الكورد كـ“مجتمع” لا كـقومية جزءًا من سياسة نزع الشرعية، ومحاولة تفريغ القضية من بعدها التاريخي والسياسي. وهو ما يتناقض جذريًا مع ما أكده كونفرانس 26 نيسان، الذي أعاد تثبيت حقيقة أن الكورد قومية أصيلة على أرضها، وأن مناطقهم الممتدة من عفرين إلى كوباني والجزيرة تشكّل جغرافيا كوردستان سوريا، بكل ما تحمله من خصوصية وهوية وحقوق.

ومن هنا، تبرز الفيدرالية بوصفها استنتاجًا سياسيًا منطقيًا، لا شعارًا أيديولوجيًا. فالفيدرالية، كما وردت في الميثاق، ليست مشروع تقسيم، بل صيغة دستورية حديثة تضمن وحدة سوريا عبر توزيع عادل للسلطة، وتمنع عودة الاستبداد المركزي الذي كان أحد الأسباب الجوهرية لانفجار البلاد. وهي الإطار الوحيد القادر على ضمان شراكة حقيقية للكورد، لا شراكة شكلية تُدار أمنيًا.

إن تصنيف المناطق الكوردية ضمن إقليم كوردستان سوريا، في إطار دولة سورية فيدرالية ديمقراطية، لا ينتقص من سيادة الدولة، بل يعيد تعريفها على أسس حديثة. فالدول لا تتفكك حين تعترف بتعدديتها، بل حين تنكرها. والكورد، حين يطالبون بالفيدرالية، لا يطالبون بالخروج من سوريا، بل بالبقاء فيها أحرارًا ومتساوين.

من دون هذا الاعتراف، ستبقى اتفاقات كاتفاق آذار مجرّد أدوات إدارة مؤقتة، سرعان ما تتآكل أمام أول اختبار ميداني أو سياسي. فالأمن لا يصنع شرعية، والسلاح لا يبني دولة، والاتفاقات التي لا تستند إلى إرادة الشعوب محكوم عليها بالزوال.

إن الفرق بين اتفاق آذار وكونفرانس 26 نيسان هو الفرق بين منطق القوة ومنطق السياسة، بين إدارة الأزمة ومعالجة جذورها، بين اتفاق يُبرم باسم الكورد، ومسار سياسي يصنعه الكورد بأنفسهم. وفي هذا الفرق، يتحدد مستقبل كوردستان سوريا، بل ومستقبل سوريا كلها: إما دولة شراكة واعتراف وعدالة، أو دولة تفاهمات أمنية مؤقتة، لا تنتهي إلا إلى أزمات جديدة.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين في مقالتها الأخيرة بالعربي الجديد ( عن نقاش المواطنة والأقليات في سورية ) ٥ \ ١ \ ٢٠٢٦ ، تعتبر الكاتبة السيدة سميرة المسالمة ” انني قولت مالم تقلها ” في ردي المعنون ” اعلى درجات التمثلية القومية ” المنشور بتاريخ ٢٦ ديسمبر ٢٠٢٥ ، على مقالتها السابقة : ” “مواطنون في دولة سورية… لا مكوّنات ولا أقليات”…

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…