بهزاد عجمو
لا أحبذ أن أسمي هذه المدينة بدمشق لأن لا أحد يستخدم هذه التسمية سوى الأنظمة الشوفينية المتعاقبة ، الذين حكموا سوريا منذ عهد الاستقلال عن فرنسا و حتى الآن ، فسكان هذه المدينة يسمونها “الشام” بل و كل سكان سوريا يسمونها بهذا الاسم ، و إن أول من سمّى هذه المدينة ( شام ) هم أجدادنا الميديين الكورد بعد انتصارهم على الإمبراطورية الآشورية التي كانت تصل حتى البحر الأبيض المتوسط ، و قد تأكدت بأن “شام” اسم كوردي ، عندما عدت إلى القاموس الكردي العربي للدكتور علي سيد كوراني ، حيث ذكر بأن شام تعني باللغة الكرديّة الغرب لأن الشام كانت المدينة الوحيدة المأهولة في تلك الحقبة الزمنية من التاريخ ، و لم تكتفِ الأنظمة الشمولية بتغيير اسم هذه المدينة ، بل نسبوها إلى الأمويين و دمشق الأمويين و أطلقوا اسم الأمويين على أكبر ساحة فيها و نصبوا سيفاً في منتصف هذه الساحة و قالوا بأنه سيف الأمويين و عدوا هذا السيف رمزاً لهذه المدينة ، و استغرب كيف ينسبون الشام إلى الأمويين ، فإذا كان هؤلاء القوم لا يعرفون تاريخ الأمويين ، فهذه مصيبة ، و إذا كانوا يعرفون تاريخ الأمويين الأسود فالمصيبة أكبر ، وهذا ما دفعنا أن نذكرهم بتاريخ الأمويين ، لعلهم يعرفون تاريخ أجدادهم المشين و الأسود و دونت في صفحات التاريخ بأحرفٍ من الخزي و العار ، لذا سنقلب صفحات التاريخ ، و سنذكرهم بتاريخ الأمويين الذي يتباهون به ، لقد حكمت الدولة الأموية اثنتين و تسعين عاماً ، و الآن أمام ثلاثة حلفاء و هم اليزيدان ( يزيد بن معاوية و يزيد بن عبد الملك ) و الوليد بن يزيد ،أما يزيد بن معاوية فلن أتطرق إلى ما حصل في عهده بكربلاء ، حينئذٍ قطعوا رأس الحسين و أخذ جنده نساء آل البيت سبايا إلى الشام و لن أتحدث أكثر من ذلك لأنه قد سبقني في الكتابة عن هذه الحادثة الكثيرين ، و لكن سأتحدث عن حادثة تفوق عن ذلك وحشية و قد حدثت بعد وفاة الرسول محمد صلى الله عليه و سلم بنصف قرن لقد هاجم جيش يزيد بن معاوية بقيادة ( مسلم بن عقبة ) المدينة المنورة حين خلع أهلها بيعته ، فأعلن الحرب على أهلها إلى أن إلى أن هزمهم و سميت بموقعة (حرّة) و أمر باستباحة المدينة ثلاثة أيام فقتل أربعة آلاف و خمسمئة من الرجال ، أما النساء فقد فُضَّت بكارة ألف فتاة بكر عذراء و لم يكتف مسلم بن عقبة باستباحة المدينة بل طلب من أهلها أن يبايعوا يزيد على أنهم ( عبيد ) ، له أن يفعل فيهم و في أموالهم و أولادهم ما يشاء ، و حينما وصل الخبر إلى يزيد فرح كثيراً بما فعله مسلم بن عقبة .
و لابد أن ننتقل إلى المحطة التالية من حكم الأمويين ، فلقد حكم عبد عبدالملك بن مروان عشرين عاماً من اثنتين و تسعين عاماً من عمر الدولة الأموية و أن الحجاج بن يوسف الثقفي كان الساعد الأيمن لـ عبد الملك بن مروان و كما يقال : إذا ذُكِر الحجاج هربت الملائكة و أقبلت الشياطين ، و خطبته المشهورة و المعروفة حينما بعثه عبد الملك بن مروان ليكون والياً على العراق ، حيث وصل يوم الجمعة ، فصعد منبر الجامع و قال : ” يا أهل العراق يا أهل الكذب و النفاق إنني أرى رؤوساً قد أينعت و قد حان قطافها و أني أرى نفسي لصاحبها ، أنا ابن جلا و طلّاع المنايا متى أضع العمامة تعرفونني )
و قد لخص عبد الملك بن مروان طريقة حكمه في وصيته لابنه الوليد و هو يحتضر ( أيها الوليد اتق الله فيما أخلفك فيه (( لاحظوا مفهوم الحكم بالحق الإلهي في هذه العبارة )) و انظر الحجاج فأكرمه فإنه هو الذي وطأ لكم المنابر و هو سيفك أيها الوليد ويدك على من ناوأك فلا تسمعن فيه قول أحد و أنت أحوج إليه منه إليك ، و ادعُ الناس إلى البيعة فمن مال برأسه هكذا فقل بسيفك هكذا ، ثم أخذ غفوة فبكى الوليد فأفاق و قال فشمّر و البس جلد النمر و ضع سيفك على عاتقك ، فمن أبدى ذات نفسه فاضرب عنقه و من سكت مات بدائه ) .
وسأذكر فيما بعد وصية صلاح الدين لكي يقارن القارئ العزيز بين الوصيتين فعندما مات عبد الملك بن مروان تولى الخلافة بعده ابنه الوليد و الوليد هذا كان مثالاً للمرتزقة و كل الأعمال الفاحشة و شرب الخمر و أنه حاول نصب قبة فوق الكعبة ليشرب فيها الخمر في فترة الحج هو و رفاقه و لكن نجحت حاشيته في إقناعه بألّا يفعل ذلك و من كثرة أعماله الشنيعة خرج عليه ابن عمه يزيد و قتله بعد خلافة قصره استمرت عاماً و ثلاثة أشهر و شاء القدر أن تكون خلافة يزيد أقصر ، فلم تستمر إلا خمسة أشهر ، فيموت فيتولى الخلافة بعده شقيقه إبراهيم لمدة سبعين يوماً ، ثم يعزل على يد مروان بن محمد انتقاماً لمصرع الوليد بن يزيد ، ثم ينتهي عصر الدولة الأموية بمصرع مروان بن محمد على يد العباسيين .
هؤلاء هم الأمويين و هؤلاء هم حلفائهم و أمرائهم و أعمالهم الفاحشة و الشنيعة ، و رغم ذلك يتفاخر قسم كبير من العرب بهم و ينسبون الشام هذه المدينة العظيمة إليهم و الشيء بالشيء يُذكَر ، هذا ما دفعني إلى فتح صفحات تاريخ الأيوبيين المشرقة و المشرفة ليجري القارئ العزيز المقارنة بينهم ، بين الطالح و الصالح ، بين الزنديق و التقي الورع ، بين المنافق و بين المؤمن ، بين الأمويين و الأيوبيين .
عندما نذكر الأيوبيين نتذكر فوراً صلاح الدين الأيوبي ، هذه الشخصية الأسطورية الذي هزم معظم آسيا و أوربا لأن من قام بالحملات الصليبية المتتالية كانت الكنيسة الكاثولوكية التي كان يرأسها بابا الفاتيكان لأنه كان الحاكم الفعلي لمعظم أوربا قبل الطائفة البروتستانتية ، فهذا يدفعنا أن نلقي الضوء على شخصية صلاح الدين الأيوبي الفذّة فاسمه الحقيقي هو يوسف بن نجم الدين بن أيوب ولد في قرية ( روين ) التابعة لمدينة بدليس في باكور كوردستان ، وقضى في هذه القرية طفولته و في مرحلة الصبا نزح مع والده و عمه شيركو إلى تكريت ، و لابد من الإشارة إلى أن والده نجم الدين كان يمتاز بالحكمة ، بينما عمه شيركو كان يمتاز بالشجاعة ، و في مرحلة الشباب كان يقضي معظم الأوقات برفقة عمه شيركو ، لذا اكتسب صلاح الدين الحكمة من والده و الشجاعة من عمه شيركو ، أي أنه شخصية مزج بين الحكمة و الشجاعة ، و عرف كيف يستخدم كل من هاتين الصفتين في الوقت المناسب ، و عندما وصل إلى مرحلة الشباب ، طلب نورالدين الزنكي الذي كان يحكم بلاد الشام و مصر طلب من صلاح الدين و عمه أن يأتوا إلى الشام لأنه كانت تربطهم صلة قربى قريبة جداً و أعتقد أنهم كانوا أبناء عمومة لأنه بعد وفاة نور الدين الزنكي فإن صلاح الدين تزوج زوجة نور الدين الزنكي ، فبعض رجال الدين في الشام قالوا بأنه لا يجوز شرعاً لوجود صلة قرابة بين نور الدين و صلاح الدين ، ولكن بعض رجال الدين الآخرين و أعلى منهم مرتبة و علماً أعطوا لصلاح الدين الفتوى ، أوردت هذه الحادثة لأبين للقراء الأعزاء بأن الكرد كانوا يحكمون بلاد الشام و مصر قبل صلاح الدين ، ولكن ما يهمنا هو شخصية صلاح الدين الأسطورية الذي أنشأ إمبراطورية شملت بلاد الشام أي ( سوريا الحالية و لبنان و فلسطين و الأردن ) بالإضافة إلى مصر و السودان و اليمن في أرض ليست بأرضه و بين شعب ليس بشعبه ، لأن شعبه خذله ، فعندما طلب من القبائل الكردية في عموم كردستان أن ينضموا إليه لمقاتلة الصليبيين ، رفضوا ذلك و قالوا له : إذا حاولت دخول أراضينا سنقاتلك ، كان بإمكان صلاح الدين مقاتلتهم و الانتصار عليهم و لكنه كان يصعب عليه مقاتلة أبناء ملته كما فعل الأمويين ، أما العرب فقد خانوه و حاولوا اغتياله و لكن الله حماه ، لذا لم يضم أي شخص من المكون العربي إلى جيشه ، لذا و أمام تخاذل الكرد و خيانة العرب اضطر بناء جيشه بشراء العبيد الأبيض من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق و سموا بالمماليك ، و بما أننا في مجال المقارنة بين الأمويين و الأيوبيين و قد ذكرنا سابقاً وصية عبد الملك بن مروان لابنه سنركز الآن بما أوصى به صلاح الدين لابنه ، حيث أوصاه بما يلي : ( لا تظلم الناس يا بني ، فإن ظلم الناس أعظم من عصيان الله سبحانه و تعالى ، لأنك لو عصيت الله فربما يغفر الله لك ، بينما ان ظلمت الناس فلن يسامحوك …. )
و أستميح عذراً من القراء لأنني لم أحفظ الوصية كلها فهذا جزء من الوصية ، و لكن نستطيع أن نقول هذه كانت وصية صلاح الدين مقارنة بوصية عبد الملك بن مروان لابنه و مدى الفرق بين الوصيتين من الناحية الإنسانية .
هذا أولاً أما ثانياً فعندما سمع صلاح الدين بأن عدوه ريتشارد قلب الأسد قائد الحملة الصليبية بأنه مريض تنكر صلاح الدين و غطى وجهه و أخذ معه طبيبه الخاص و ذهب إلى معسكر الصليبين لمعالجة عدوه ، ثالثاً : في إحدى الغزوات خطف أحد جنود صلاح الدين طفلاً افرنجياً لأنه كان هكذا يسمي صلاح الدين الصليبين ، فأتت أم هذا الطفل إلى معسكر صلاح الدين تريد أن تسترد ابنها و بدأت تبحث عن صلاح الدين ، فقالوا لها بأن صلاح الدين في معركة و بأنه سيعود بعد فترة و عندما عاد صلاح الدين و هو يسير على صهوة حصانه في مقدمة جنده ، تقدمت هذه المرأة إليه و أمسكت برسن حصانه و قالت : أريد ابني يا صلاح الدين ، لقد خطفه أحد جنودك ، هنا التفت إلى قادة جنده و صرخ فيهم : ( و الله لن أنزل عن صهوة هذا الحصان حتى تأتوا بابن هذه المرأة الافرنجية ) و فعلاً ما هي إلا لحظات حتى أتوا بابن هذه المرأة و سلموه لأمه و هنا شكرت هذه المرأة صلاح الدين و ذهبت إلى أهلها .
رابعاً : كان في كل يوم ثلاثاء يجلس في خيمته يستمع إلى شكاوى الناس و يرد لهم حقوقهم و كان يسميها ( يوم المظالم )
خامساً : قد ذكر ابن شداد في كتابه الذي ألفه قبل ثمانمئة عام و كان رئيس ديوان صلاح الدين أي ( مدير مكتبه ) ، وقد كان ابن شداد كردياً و يعد من الكرد القلائل الذين انضموا إلى صلاح الدين حيث ذكر ابن شداد في الصفحة الأخيرة من كتابه بأنه عندما توفي صلاح الدين لم يكن يوجد في بيته من المال سوى / 56 / درهماً و هذا البلغ لم يكن يساوي ثمن الكفن الذي دفن فيه و عندما نربط الماضي بالحاضر فكم يملك رؤساء الدول العربية و الإسلامية الآن ، مليارات الدولارات أو بالأحرى كم يملك بعض المسؤولين الكبار من الكورد ملايين الدولارات بل مليارات الدولارات و إذا أجرينا المقارنة بين صلاح الدين و بين هؤلاء سنعرف كيف أصبح صلاح الدين صاحب إمبراطورية استطاع أن يهزم معظم أوربا و يقهرها و ينتصر عليها .