ما الذي ينتظر سوريا بعد إلغاء قانون قيصر؟

فرهاد حبش

صوّت مجلسا النواب والشيوخ الأمريكيان على إلغاء قانون قيصر والعقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا، وذلك بأغلبية أصوات، أعقبها توقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على قرار إلغاء القانون. ويُعد هذا القرار خطوة من شأنها فتح آفاق جديدة أمام التحركات التجارية والاقتصادية والمعيشية، فضلًا عن تأثيره المحتمل في مستوى العلاقات السورية مع محيطها الإقليمي والدولي.

غير أنّ ما ينتظر السوريين والسلطة السورية المؤقتة لا يقتصر على الفرص وحدها، إذ تبرز في المقابل جملةٌ من التحديات والصعوبات التي قد تعقب إلغاء قانون قيصر، ولا سيما في ظل وجود بنود وشروط محددة تبقي إمكانية إعادة العمل بهذا القانون قائمة في حال عدم الالتزام بها.

يتمثل البند الأول في إخراج الفصائل الأجنبية من وزارتي الدفاع والداخلية التابعتين للسلطة السورية المؤقتة، وهو من أكثر البنود تعقيدًا، إذ سيواجه تحدياتٍ كبيرة. وقد ظهرت مؤشرات ذلك جليًّا من خلال العملية الانتحارية التي نفذها أحد عناصر الأمن العام السوري، والذي يحمل فكرًا متشددًا معاديًا للولايات المتحدة الأمريكية.

ولم تقتصر هذه التحديات على تلك الحادثة فحسب، بل برزت أيضًا من خلال هجومٍ مسلح استهدف مجموعةً من عناصر الأمن العام في معرّة النعمان بمحافظة إدلب، في رسالة واضحة وإشارة مباشرة إلى السلطة السورية المؤقتة مفادها أنّ إخراج الفصائل أو الميليشيات الأجنبية من المعادلة السورية لن يكون أمرا سهلًا، بل سيواجه مقاومةً داخلية وخارجية معقدة.

أما البند الثاني فيتمثل في أهمية حماية حقوق المكونات السورية وإشراكها في العملية السياسية. غير أنّ ما تشهده مناطق الساحل والسويداء حتى الآن من أحداث، بما في ذلك الانتهاكات والجرائم المرتكبة بحق العلويين والدروز، يثير مخاوف جدّية. كما أنّ سقف مطالب هذه المكوّنات، ولا سيما تلك المتعلّقة بالفيدرالية وحق تقرير المصير، يضع السلطة في دمشق أمام تحدياتٍ كبيرة.

وفي هذا السياق، تواجه السلطة السورية المؤقتة انتقاداتٍ متزايدة بسبب عقليتها المتمسكة بالمركزية ورفضها لمبدأ الفيدرالية، فضلًا عن تشكيل حكومة من طرف واحد ولون سياسي واحد، مع استبعاد معظم المكوّنات السورية من المشاركة الفعلية في الحكم.

وفيما يتعلّق بالمسألة الكردية، فإن وجود قوة عسكرية كوردية تسيطر على نحو 25% من المساحة السورية، وتحظى بدعمٍ مباشر من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، يُشكّل ورقة تفاوضية مهمة في مواجهة دمشق، وقد يكون عاملًا حاسمًا في رسم ملامح المرحلة السياسية المقبلة في سوريا.

أما فيما يتعلق باتفاقية 10 آذار، التي وقعت بين الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، والتي تحظى بدعمٍ دولي وإقليمي وبرعاية الولايات المتحدة الأمريكية، فإن مدى الالتزام بتطبيق بنود هذا الاتفاق يعد مسارًا واقعيًا لبناء سوريا الجديدة. غير أن ما يعرقل تطبيقه على أرض الواقع يتمثل في التدخلات الإقليمية، ولا سيما الدور التركي الذي يرفض المطالب الكردية، مثل الفيدرالية وخصوصية قوات «قسد» ضمن وزارة الدفاع، الأمر الذي يعيق مسار عودة المفاوضات بين دمشق وقامشلو، ويزيد من احتمالية إعادة طرح مسألة قانون قيصر على سوريا.

ويتمثل البند الثالث في ضرورة تجنب دخول دمشق في مواجهات مع دول الجوار، ولا سيما إسرائيل، التي تُشكل عائقًا كبيرًا أمام السلطة السورية المؤقتة، من خلال دعمها للدروز في السويداء وتدخلاتها العسكرية المتكررة. ويجعل ذلك الولايات المتحدة تشترط على سوريا الدخول في اتفاقية أمنية مع إسرائيل، وإبرام اتفاقية «إبراهيم»، والاعتراف بإسرائيل كدولة مجاورة.

ويُعد هذا المسار تحديا بالغ الصعوبة بالنسبة للسلطة السورية المؤقتة، إذ قد يواجه رفضا ومقاومة من فصائل إسلامية متطرفة، ولا سيما في مناطق مثل إدلب، في حال المضي بعملية السلام أو الاعتراف بإسرائيل.

خلاصة القول، إنّ العائق الأكبر لا يكمن في إلغاء قانون قيصر بحد ذاته، بل في مدى قدرة السلطة السورية المؤقتة على تطبيق الشروط والبنود المفروضة عليها، وفي حجم التحديات والصعوبات التي تواجهها داخليا وخارجيا في المرحلة المقبلة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أحمد عبدالقادر محمود لم ينعم الكرد السوريين حيناً و لا يوماً بحركة سياسية تُناسب تطلعاته ، بعد تنامي الشعور القومي وتصاعد وتيرته ، جراء المخزون الهائل و التراكمي لصدى الثورات الكردية في الأجزاء الأخرى من كُردستان ، تلك الثورات التي قارعت أعتى القوى العنصرية و الشوفينية المناهضة للحقوق الكردية ، مخزونٌ تاريخي و وجداني شكّل وعياً كان من شأنه…

محمود أوسو كلما فشلنا في قراءة الحاضر ،هربنا إلى الماضي لنصنع كبش فداء في الرواية الشعبية السائدة ،إن كردستان ضاعت لأن نائبا” كرديا” إسمه حسن خيري وقف في برلمان أنقرة عام ١٩٢٠ باللباس الكردي وقال :نحن والترك إخوة ودولتنا هي تركيا . بهذه الجملة وبحسب هذه الرواية ،سقطت معاهدة سيفر وجاءت معاهدة لوزان ودفن الحلم. هذه ليست قراءة تاريخية لأسباب…

د. محمود عباس ليست المؤتمرات الثقافية مجرد محطات تنظيمية تُراجع فيها اللوائح وتُنتخب الهيئات، بل هي، حين ترتبط بقضية شعب وذاكرته وثقافته، لحظات لمراجعة المسار وتجديد المسؤولية وتحديد ما ينبغي أن يكون عليه دور الكلمة في المراحل المتغيرة. ومن هذا المعنى يكتسب المؤتمر الثالث للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكورد في غربي كوردستان، المزمع انعقاده غدًا، في 23/8/2026 بمدينة إيسن الألمانية،…

اكرم حسين منذ تأسيس أول حزب سياسي كردي في سوريا عام 1957، دخلت القضية الكردية مرحلة جديدة، انتقلت فيها من التعبير الثقافي والاجتماعي المتفرق إلى العمل السياسي المنظم ، وبعد قرابة سبعة عقود، يبقى السؤال مطروحاً: لماذا لم تجد القضية الكردية حلاً؟ وهل يعود ذلك إلى الظروف الموضوعية، أم أن جانباً من الإخفاق يرتبط أيضاً بطبيعة القيادة الكردية وأدواتها السياسية؟…