نحو دولة تشاركية

جنكيز حمدوش

تعيش تركيا منذ عقود جدلا واسعًا حول علاقتها بمكوناتها القومية، وفي مقدمتها الشعب الكردي، وبرغم محطات متعددة حملت محاولات للتهدئة أو الحوار، بقيت كثير من هذه الجهود مرتبطة بصور اللقاءات أو المبادرات الفردية أكثر من ارتباطها بمسار مؤسساتي متكامل. ومن هنا تبرز الحاجة إلى رؤية سياسية تقوم على التشاركية الحقيقية، أي بناء دولة يشترك كل مواطنيها في صنع القرار، وتمنحهم حقوقهم على أساس المواطنة والمساواة والهوية، بدل الاكتفاء بالرمزية أو اللقاءات الشكلية مع القادة، لان مفهوم الدولة التشاركية يقوم على اعتراف متبادل بهوية جميع المكونات ضمن الدستور والقانون، ومشاركة واسعة في صنع القرار عبر مؤسسات برلمانية ومحلية، وإدارة تعددية تعكس تنوع المجتمع بثقافاته ولغاته، وتحويل السلطة من مركزية صارمة إلى اللامركزية التعددية، وإلى مؤسسات قادرة على تمثيل جميع الأطراف.

هذا النموذج يساعد على بناء علاقة صحية بين الدولة ومواطنيها، ويخرج العملية السياسية من دائرة الفرد إلى دائرة المجتمع، لان الكرد يشكل أحد أكبر المكونات القومية في تركيا، ولهم حضور تاريخي وثقافي واجتماعي واسع، ومع ذلك جرت حقوقهم القومية والثقافية بمراحل صعبة من الانحلال والإنكار. ورغم استمرارية هذا النهج، فإن جميع المؤشرات تؤكد ان حقوق الكرد لا يمكن معالجتها عبر لقاءات رمزية، ولا عبر تفاهمات شخصية مع قادة سياسيين، بل عبر إطار دستوري ومؤسسات مستدام، رغم أهمية الحوار السياسي، إلا ان اللقاءات مع القادة لا تكفي لمعالجة جذور القضية، لأنها لا تنشئ التزامًا قانونيًا طويل المدى، وتبقى هذه التفاهمات رهينة تغيير الحكومات أو الظروف السياسية، ولا تمثل كل أطياف المجتمع الكردي ولا التركي، وقد تتحول إلى رسائل إعلامية أكثر كونها إصلاحات حقيقية، لان الدولة التشاركية تتجاوز هذا المنطق، باعتبارها تبني حقوقًا ثابتة لا تعتمد على مزاج سياسي أو شخصي، وأي انحراف للدولة التركية عن هذا المسار يزيد من فقدان الثقة بين الأطراف المتنازعة.

ومن هنا تبرز أهمية الدولة التشاركية في إنشاء منصات قانونية للحوار بين الدولة والمجتمع، بعيدًا عن الطابع السري أو الشخصي للمفاوضات، والتعامل مع الخصوصية الكردية باعتبارها جزءًا من هوية الدولة المدنية، أي عنصر ثراء لا باعتبارها مصدر تهديد، لان على عاتق هذه الدولة ضمان الاستقرار والحقوق. لذلك فإن تركيا تقف أمام مفترق الطرق، لان القضية الكردية أصبحت قضية دولية نظرًا لموقعها الجيوسياسي المرتبط بالأمن الإقليمي، وكذلك يتعاظم دور الكرد كعامل استقرار في المنطقة، وتزداد وتيرة قوة المؤسسات الكردية في وحدة الموقف بعد مؤتمر دهوك بين كرد سوريا والعراق. وحيال هذه التطورات لم يبق أمام تركيا سوى الاندماج مع الواقع الإقليمي، أي الاندماج القائم على أساس العدالة، يبقى أفضل بكثير من الاندماج على الرمزية أو على العلاقات الشخصية، لان من مصلحة تركيا البحث عن حلول جذرية للقضية الكردية، وهذا لا يتم إلا ببناء عقد اجتماعي جديد، ودولة تشاركية بعيدًا عن الاستبداد والتهميش، إنها ليست دعوة للانفصال، بل دعوة لبناء وطن عادل يتسع للجميع.

24.11.2025

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد حسو منذ أكثر من عقدين، ومع الانتشار الواسع لشبكات التواصل الاجتماعي، تغيّرت ملامح الخطاب العام في العالم كله، وليس في عالمنا الشرق الأوسطي فقط. لم تعد الكلمات تُنتقى بعناية، ولم يعد الناس يحسبون حساباً لما يكتبونه أو يقولونه. بل أصبح البعض يكتب كما يشتم في لحظة غضب، ويرد كما يهاجم في الشارع. لقد تحولت هذه المساحات الافتراضية إلى ساحات…

وكالات: 🇺🇸 اختبأ الطيار الأمريكي على حافة مرتفعة ضمن المنطقة الجبلية والحرجية التي هبط فيها. وقد تحرك سيراً على الأقدام مبتعداً عن النقطة التي هبط فيها بالمظلة، ثم قام بتفعيل منارة تحديد الموقع. وقد وفرت له التضاريس الجبلية والحرجية وغير المأهولة وقتاً ثميناً، وأتاحت له البقاء على قيد الحياة دون أن تتمكن القوات الإيرانية أو القرويون الموالون للنظام من الوصول…

عبدالجبار شاهين لم يكن الرابع من نيسان ١٩٨٠ مجرد تاريخ في روزنامة القمع بل لحظة فاصلة قرر فيها النظام البعثي ان يحسم علاقته بالكرد الفيليين عبر اقتلاعهم من المعادلة الوطنية دفعة واحدة مستخدما قرارات ادارية باردة لتنفيذ مشروع تطهير قومي مذهبي حار فقد فيه الانسان اسمه ووثيقته وبيته واثره في آن واحد في ذلك اليوم وما تلاه جرى ترحيل ما…

عدنان بدرالدين إذا كانت الحلقة الأولى قد توقفت عند ماركس وآرندت بوصفهما مدخلين أساسيين لفهم حدود الديمقراطية الشكلية ومعنى السياسة بوصفها فعلًا لا يجوز اختزاله في الإدارة، فإن هذه الحلقة تنتقل إلى محطتين مختلفتين في طبيعتهما، لكنهما لا تقلان أهمية في تكوين الخلفية النظرية لفرضية «ديمقراطية الضرورة المُدارة»: ماكس فيبر وفريدريك نيتشه. تكمن أهمية هذين الاسمين في أنهما لا يقدّمان…