القومية الكردية في سوريا بين حق تقرير المصير وبناء الدولة التعددية

حوران حم

منذ أن أُعيد رسم خرائط الشرق الأوسط في مطلع القرن العشرين على أنقاض الدولة العثمانية، وجد الشعب الكردي نفسه موزعًا بين حدودٍ جديدةٍ لا تمتّ بصلةٍ إلى واقعه التاريخي والجغرافي. لم تكن سايكس–بيكو مجرد اتفاقية لتقسيم الأرض، بل كانت إعلانًا لتقسيم الأمة الكردية وتمزيق جسدها بين أربع دول: تركيا، إيران، العراق، وسوريا. ومع كل تقسيمٍ كانت تُزرع بذورُ إنكارٍ جديدٍ للهوية الكردية، ليبدأ فصلٌ طويل من التهميش والاضطهاد الثقافي والسياسي.

في سوريا، حيث يشكّل الكرد ثاني أكبر قومية بعد العرب، لم يكن حضورهم التاريخي طارئًا أو هامشيًا، بل متجذّرًا في الشمال الشرقي للبلاد منذ قرون. من جبال عفرين إلى سهول الجزيرة ومرتفعات كوباني، حمل الكرد تراثهم، ولغتهم، وعاداتهم، وأقاموا على أرضهم علاقاتٍ إنسانية مع باقي المكونات من عربٍ وسريانٍ وآشوريين وتركمان.

لكنّ السياسة، كما العادة، كانت أقوى من التاريخ. فالدولة السورية التي تشكّلت بعد الاستقلال لم تنظر إلى الكرد كشركاءٍ في الوطن، بل كملفٍّ يجب طمسه وإذابته في الهوية الرسمية.

تعرّض الكرد في سوريا منذ خمسينيات القرن الماضي إلى سياساتٍ قاسية من التهميش والإنكار:

حُرم الآلاف منهم من الجنسية بموجب الإحصاء الاستثنائي لعام 1962، وحُظرت اللغة الكردية، وتغيّرت أسماء القرى والمدن، في محاولةٍ لطمس الوجود الكردي من الجغرافيا والذاكرة معًا. ومع ذلك، ظلّ الوعي القومي الكردي يتبلور بهدوءٍ عبر النضال السياسي والثقافي، عبر الصحافة السرّية، والمجالس المحلية، والتواصل مع الحركات الكردية في الأجزاء الأخرى من كردستان الكبرى.

ومع تصاعد القمع في عهد البعث، تكرّست الهوية الكردية في سوريا كقضيةٍ وجودية، لا مجرد مطلبٍ ثقافي. أصبحت المسألة الكردية رمزًا للمظلومية الوطنية ولضرورة التحوّل الديمقراطي في البلاد. فالكرد لم يكونوا يطالبون بالانفصال، بل بالاعتراف. لم يطالبوا بتقسيم الوطن، بل بإصلاحه على أسس العدالة والمواطنة والمساواة.

التحولات بعد 2011

مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، وجد الكرد أنفسهم أمام فرصةٍ تاريخيةٍ لإعادة تعريف موقعهم في الدولة والمجتمع. انسحب النظام من مناطقهم في الشمال، فتولّوا إدارة مناطقهم بأنفسهم، وشكّلوا مؤسساتٍ إدارية وأمنية، لتظهر على الأرض قوةٌ جديدة تحمل اسم “قوات سوريا الديمقراطية”، وتحمل مشروع “الإدارة الذاتية”.

لكنّ هذا الواقع الجديد – رغم نجاحاته العسكرية والتنظيمية – لم يُترجم سياسيًا كما ينبغي. فالمجتمع الدولي تعامل مع الكرد كقوةٍ عسكريةٍ فعّالة في محاربة الإرهاب، لا كشعبٍ يمتلك قضية قومية تستحق الحل وفق المواثيق الدولية.

وهنا تتجلّى المعضلة الكبرى: الكرد السوريون يقاتلون دفاعًا عن أرضٍ لا يُعترف بحقهم فيها بعد.

ينصّ ميثاق الأمم المتحدة في مادته الأولى على حقّ الشعوب في تقرير مصيرها، خصوصًا تلك التي عانت من الاضطهاد أو التمييز. هذا المبدأ ليس ترفًا سياسيًا، بل قاعدة قانونية دولية تم تطبيقها في كثير من الحالات المشابهة.

وبالنسبة لكرد سوريا، فإنّ هذا الحق لا يُترجم بالضرورة إلى الانفصال، بل إلى صيغةٍ تضمن مشاركتهم الفعلية في تقرير شكل الحكم، وصياغة الدستور، وتحديد مستقبل البلاد.

إنّ حق تقرير المصير بالنسبة للكرد السوريين يجب أن يكون وسيلةً لتحقيق العدالة ضمن الدولة، لا وسيلةً لتقسيمها. فالمسألة الكردية في سوريا ليست نزاعًا على الجغرافيا، بل على الاعتراف بالإنسان الكردي كمواطنٍ كامل الحقوق، له لغته وثقافته وخصوصيته، وله دورٌ في بناء وطنٍ جديد يتسع للجميع.

لكنّ الكرد أنفسهم يتحمّلون جزءًا من مسؤولية تشتّت قضيتهم. فالانقسام الحزبي والفكري، والارتهان للخارج، والخصومات الداخلية، كلّها عوامل أضعفت الخطاب القومي وأربكت الموقف الوطني.

من هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى تشكيل مرجعية كردية جامعة، تمثّل الإرادة السياسية للشعب الكردي في سوريا بعيدًا عن الاصطفافات الحزبية والمناطقية.

مرجعيةٌ تتحدّث باسم الكرد لا باسم القوى، وتطرح مشروعًا واضحًا:

مشروع تقرير مصيرٍ ضمن الدولة السورية، يضمن العدالة والمساواة ويصون وحدة البلاد.

إنّ سوريا المستقبل لا يمكن أن تُبنى على نموذجٍ إقصائيٍّ جديد.

الدولة التي نطمح إليها يجب أن تكون جمهورية سورية بحق، لا دولة قومية ضيقة.

جمهوريةٌ تقوم على دستورٍ يقرّ بالتنوّع القومي والديني، ويضمن حقوق كلّ مكوّنٍ من مكونات المجتمع السوري: الكرد، العرب، السريان، الآشوريين، التركمان، الشركس، والكلدان.

فالديمقراطية لا تتحقق بالشعارات، بل بالاعتراف المتبادل وبالمشاركة في السلطة والثروة والقرار.

إنّ سوريا التشاركية هي وحدها التي يمكن أن تحفظ وحدتها. دولةٌ لا تتجاهل الكرد، بل تعتبرهم شركاء في بنائها.

فالكرد لم يأتوا من وراء الحدود، بل هم جزءٌ أصيلٌ من تاريخ هذه الأرض، شاركوا في تحريرها، وفي نهضتها الثقافية، وفي الدفاع عنها في أحلك الظروف.

لذلك فإنّ إقصاءهم من المعادلة الوطنية هو إقصاءٌ لوحدة سوريا نفسها.

إنّ القومية الكردية في سوريا ليست مشروعًا انفصاليًا، بل دعوةٌ لعدالةٍ تاريخيةٍ غابت طويلًا.

هي صرخةٌ من أجل الكرامة، والاعتراف، والمشاركة، وهي في جوهرها ليست ضدّ أحد، بل مع الجميع من أجل وطنٍ يتسع للجميع.

حين نطالب بحق تقرير المصير، فإننا نطالب بحقنا في أن نكون شركاء لا تابعين، ومواطنين لا رعايا.

وحين نقول إنّ اسم الدولة يجب أن يكون “الجمهورية السورية”، فإننا نؤكد أنّها جمهورية لجميع السوريين بلا تمييزٍ قوميٍّ أو دينيّ.

فليكن مستقبل سوريا عقدًا جديدًا للحرية، تُكتب فيه سطور العدالة الكردية والعربية والسريانية معًا، ولتكن التجربة الكردية مثالًا على أن الهوية لا تُلغى بالقوة، بل تُصان بالاعتراف، وأنّ التنوع ليس تهديدًا لوحدة الوطن، بل أساس بقائه.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أحمد بلال يُعدّ الشعب الكوردي من أقدم شعوب الشرق الأوسط وأكثرها تمسّكًا بأرضه وخصوصيته الثقافية. وعند التأمل في الديانة الإيزيدية ومقارنتها بعادات وتقاليد الكورد، تتضح صلةٌ عميقة تدل على أن كثيرًا من الملامح الإيزيدية ما تزال حاضرة في الشخصية الكوردية، رغم اعتناق أغلبية الكورد الإسلام عبر القرون. كان الكورد معروفين بصدقهم في القول، حتى أصبح يُقال عن الكلام الحق: “كلام…

عدنان بدرالدين إذا كانت الحلقة الأولى قد بيّنت كيف تبدأ فرضية «ديمقراطية الضرورة المُدارة» بين نقد ماركس لبراءة الديمقراطية الشكلية ودفاع آرندت عن السياسة بوصفها فعلًا لا يجوز اختزاله في الإدارة، وإذا كانت الحلقة الثانية قد أضافت، مع فيبر ونيتشه، عنصرين حاسمين هما الوعي بأن السياسة بلا ضمانات، والشك في أن الحياد لغة بريئة حقًا، فإن هذه الحلقة الثالثة تصل…

صلاح بدرالدين وقفة احتجاجية لاهالي الاسرى والمفقودين الذين ( يربو عددهم السبعمائة ) على اقل تقدير وذلك بمدينة القامشلي يوم الخامس من نيسان / ابريل ، وبالرغم من التعتيم الإعلامي من جانب سلطة الامر الواقع لقسد ، وب ي د ، وامتناع وسائل اعلامها لتغطية الحدث الأهم في الفترة الأخيرة ، وبالرغم من علائم الحذر والخوف المخيمة على وجوه الأهالي…

كفاح محمود في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار (مارس)، لا يعود الحديث عن حزب سياسي فحسب، بل عن واحدة من أعرق مدارس الوطنية العراقية وأكثرها تضحية ونبلًا، فثمة أحزاب تُعرف بما بلغت من سلطة، وأخرى تُعرف بما تركته في الضمير العام من أثر، والحزب الشيوعي العراقي من ذلك الطراز الذي خسر كثيرًا في حساب القوة، لكنه ربح…