وجه الحقيقة المخفي: صراع المثقف بين أقنعة الزيف وعطش السلطة

خالد حسو

حقيقة الإنسان هي تلك الهاوية السحيقة التي يتوارى خلفها وجهٌ لا يُرى، وجهٌ مشدود إلى ظلام لا ينفك يتلوى في ثنايا النفس، مخفيٌّ خلف أقنعةٍ كاذبةٍ تتبدل وفق الرغبات واللحظات .

إنه الإنسان الذي يجوب العوالم من دون أن يرى نفسه حقاً، يسير في دروب العالم كممثل بارع في مسرحية لا تنتهي، يتقن لعب أدواره المتعددة أمام الجمهور، بينما وجهه الحقيقي يظل حبيساً في عمق الظلال .

هناك، حيث يتقاطع الخوف مع الرغبة، وحيث تلتهمه أسئلة الوجود التي لا إجابة لها .

والمثقف، هو ذاك الشبح الذي يسكن على أطراف هذا العالم المليء بالزيف. هو الشعلة التي تنير في ظلام العقول، يحارب في ميدان معركة لم يخترها، معركة قوامها الجهل والغرائز .

للأسف هناك بعض المراقبين والسياسيين أصحاب النفوس الضعيفة والمريضة والرخيصة ( مع كل الإحترام والتقدير للمناضلين المخلصين والأوفياء وأصحاب القيم والمبادئ) يتسابقون لتقديم المثقف على منصاتهم، يمجدون دوره، يملؤون أفواههم بعبارات الدعم والمساندة، يُظهرون أنفسهم حماة للفكر والحرية .

لكن في الحقيقة أنهم حراس سجون التهميش، هم أول من يُسكت صوته حين يهدد نظامهم المليء بالزيف والفساد …

يمدحونه في العلن، وفي الخفاء يدفنون صرخاته تحت أطنان من التجاهل، يدفعونه إلى الزوايا المظلمة، حيث يتعفن الفكر في العزلة، ويهيم على وجهه بين أروقة النسيان .

السياسي الذي يرفع المثقف إلى عنان السماء في الخطابات هو نفسه الذي يتخذ من الليل ستاراً لملاحقة رغباته العابرة، يتجول بين صفحات النساء كما يتجول في دهاليز السلطة . إنهم لا يسعون إلى بناء مجتمع أو حماية فكر، بل هم أسرى لشهواتهم الصغيرة، يركضون وراء نزواتهم، يتركون خلفهم قضايا الشعوب وهموم الحياة الحقيقية، يبتلعون الوقت والزمن في مطاردات خفية لا تشبع عطشهم الذي لا يرتوي .

والأدهى من ذلك، هو ما يجده المثقف بين رفاق دربه . الكتّاب والمبدعون، أولئك الذين من المفترض أن يكونوا عماد دعمه وقوة مساندته، ينقلبون عليه كما تنقلب الوحوش الجائعة على فريستها .

لا يحتفلون بإنجازاته إلا بوجوه جامدة وألسنة محشوة بالمرارة. بل إنهم يحفرون له الخنادق في كل خطوة يخطوها نحو النور، ينتظرون لحظة سقوطه ليكونوا أول الراقصين على جثة نجاحه .

إنهم لا يرون في صعوده إلا تهديداً لذواتهم، فينصبون له الفخاخ كما لو كان نجاحه يسرق شيئاً من وجودهم الهش …

المثقف الذي ينير الطريق لا يجد بين زملائه إلا الخيبات، يُحاصرونه بالغيرة ويغرقونه في أمواج من الحسد، وكأن كلمة “النجاح” لا يجب أن تتسع لأكثر من صوت واحد .

هم يهنئونه ظاهريًا، لكن في الخفاء يتربصون بسقوطه، يتلذذون برؤيته يتعثر، غير مدركين أن نجاحه لا ينقص من كرامتهم شيئاً، بل يزيد من وهجهم إن كانوا يملكون بصيرة كافية لرؤية الحقيقة .

وفي المجتمع، هذا الورم يستشري كالوباء، حيث العلاقات الاجتماعية باتت ساحة للتنافس المريض، حيث الأخ يحسد أخاه، والصديق يغار من صديقه، والمجتمع بأسره غارق في طقوس المجاملات الكاذبة .

ترى الوجوه تبتسم، لكن خلف كل ابتسامة تترصد خناجر مستعدة للطعن، كل واحد يتربص بالآخر، ينتظر زلة لسان أو هفوة قدم ليحطم الصورة المثالية التي رسمها له …

في هذا العالم، يتم التعامل مع النجاح كأنه جريمة، مع التفوق كأنه طعنة في قلب المجتمع .

وإذا انتقلنا إلى المشهد الديني، نجد الشيخ والملأ، أولئك الذين يُفترض بهم أن يكونوا منارات للحق وأوصياء على القيم، غارقين في تناقضاتهم. تراهم يرتدون عباءة الفضيلة، ويتشدقون بالكلمات الكبيرة عن الإيمان والتقوى، لكنهم أنفسهم أسرى لشهواتهم الدفينة .

بين خطبهم الحماسية عن الأخلاق ووجوههم المتزمتة، يتسلل فساد مخيف، يحكمه العطش الذي لا يُطفأ .

إنهم يرفعون شعار الطهارة، لكنهم يغرقون في الوحل حتى الركب. هؤلاء الذين يفترض بهم أن يكونوا حراساً للروح، هم أنفسهم من يبيعون مبادئهم في سوق الشهوات الدنيئة، يتلاعبون بالنفوس كما يتلاعبون بالألفاظ، يرسمون صوراً زائفة للقداسة بينما الحقيقة أكثر قبحاً مما قد يتخيله أي عقل.

ذلك العطش، الذي يعاني منه الجميع، هو عطش لا يرتوي، عطش لا إلى المعرفة ولا إلى الحكمة، بل إلى التحكم والسيطرة، إلى إشباع الرغبات العابرة، تلك الرغبات التي تخنق الروح وتترك الفكر جثة هامدة .

تراهم يتركون القضايا الجوهرية خلفهم، يهربون من مواجهة أنفسهم، يتركون مشاكل الإنسان الحقيقية وينغمسون في تفاهات الحياة الصغيرة. إنه الهروب الكبير من مواجهة الحقيقة، حقيقة الإنسان الضعيف الذي يخشى ذاته قبل أن يخشى العالم.

هذا العطش لا يقتصر على السياسيين أو رجال الدين، بل يتسلل إلى كل طبقة في المجتمع، ويأكل كل قيمة نبيلة …

الأغلبية تعيش تحت وطأة هذا العطش، تبتعد عن القضايا الحقيقية وتغرق في النزوات الصغيرة، وكأن كل شيء يمكن أن يُحل بتجاهله .

يركضون خلف سراب السلطة أو المال أو المتعة، متناسين أن كل ما يطاردونه زائل، وأن الحقيقة الوحيدة التي تبقى هي ذلك المثقف الذي يقف في وجه العاصفة، مدافعاً عن فكرته في عالم يهيم في التيه .

ورغم كل هذا الظلام، يبقى المثقف شامخاً ، مثل شجرة تضرب جذورها في أعماق الأرض بينما الرياح تعصف بأغصانها .

إنه الوحيد الذي يرفض الإستسلام، الذي يرفض التماهي مع هذا الزيف العام .

يقف وحيداً، يحارب على جبهات متعددة، محاصراً بأعداء من كل صوب، لكنه يعلم أن الكلمة هي السلاح الحقيقي، وأن الفكر هو النار التي لا تنطفئ مهما اشتدت العواصف …

المثقف لا يسعى إلى إرضاء أحد، لأنه يدرك أن الحقيقة أغلى من كل شيء، وأنها وحدها التي تنجو في نهاية المطاف.

في هذا الصراع الأبدي، بين المثقف وأعداء الفكر، بين الحقيقة والزيف، يظل المثقف هو الناجي الأخير، حتى وإن سقط الجميع في هاوية النسيان. إنه الصوت الذي يبقى حين يخفت كل شيء، إنه الشعلة التي تظل مشتعلة في وجه الرياح، لأنه يحمل في داخله قوة لا تقهر، قوة الفكر التي تتحدى الزمن، وتخترق الظلام لتصل إلى الضوء الذي لا يموت .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* إن البديل الديمقراطي ضد الديكتاتورية الحاكمة في إيران لا يُعرّف بالشعارات والادعاءات. البديل الحقيقي هو القوة التي تمثل صوت المنتفضين، وتتواجد في قلب المعركة، وتستطيع نقل واقع انتفاضة الشعب الإيراني إلى الرأي العام العالمي. من هذا المنظور، فإن دراسة انتفاضة الشعب الإيراني وتداعياتها توفر معياراً واضحاً لتمييز البديل الحقيقي. التنظيم؛ الشرط الضروري للبديل إن دفع الاحتجاجات المناهضة…

إبراهيم اليوسف   كان الخوف يسكنني طويلاً كلما نظرت إلى أبناء الجيل الذي كبر بعيداً عن تراب الولادة. خشية على ارتباطهم بلغتهم. خشية من انقطاع الخيط الذي يربط البيت الأول بالشارع الجديد. خشية من أن تتحول الذاكرة إلى صورة باهتة معلّقة فوق جدار لا يلتفت إليه أحد. شعرتُ أن الغربة لا تكتفي بأخذ الجغرافيا، إذ تمضي أبعد فتأخذ الكلمات، ثم…

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….

د. محمود عباس الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية.. بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول. الولايات المتحدة،…