معادلة الشراكة المتعثرة بين بغداد وأربيل

كفاح محمود

لم تكن الموارد الطبيعية في إقليم كردستان، وفي مقدمتها النفط والغاز، عامل استقرار أو رافعة للتكامل الاقتصادي ضمن الدولة العراقية، بقدر ما شكلت محوراً دائماً للتجاذبات بين المركز والإقليم، وعلى امتداد قرن من الزمن، تراوحت هذه التجاذبات بين سياسات الإقصاء المبكر، ومحاولات التقييد الإداري، وصولاً إلى الأزمات المعاصرة التي اتخذت شكلاً اقتصادياً مباشراً، تمثل في تعطيل صادرات النفط ومنع تدفق الإيرادات المستحقة للإقليم، ما أدى الى خسارة العراق عشرات المليارات بسبب توقف نفط كردستان من التصدير منذ مارس (آذار) 2023 وحتى اليوم.

يقع الإقليم في منطقة ذات أهمية استراتيجية، إذ يضم محافظات أربيل والسليمانية ودهوك، إلى جانب كركوك ومناطق أخرى متاخمة مثل سنجار والشيخان ومخمور وخانقين، هذه الرقعة الجغرافية لا تقتصر على بعدها الإداري، بل تمثل امتداداً طبيعياً لحقول الطاقة الرئيسة في العراق، من القيارة جنوب الموصل مروراً بكركوك وصولاً إلى حقول خانقين ومندلي، هذا الموقع، بما يحتويه من موارد طاقة وزراعة، جعله في قلب السياسات السكانية والاقتصادية منذ بدايات الدولة العراقية الحديثة، حيث يشير الخبير الاقتصادي الراحل الدكتور كاظم حبيب إلى أن ما جرى في كركوك ومحيطها لم يكن مجرد عملية استثمار نفطي، بل سياسة مدروسة لإعادة تشكيل البنية السكانية بما يضمن السيطرة المركزية على موارد الطاقة، وذلك بإبعاد الأكراد أو تقليل نسبتهم باستقدام وتوطين آلاف العمال من مناطق العراق العربية في كركوك وحولها، وقد بيّن في كتاباته أن الحكومات العراقية المتعاقبة تعاملت مع الإقليم بآليات احتوائية، حالت دون تطوير نموذج تنموي متوازن يضمن توزيعاً عادلاً للعوائد، ورغم أن الدستور العراقي لعام 2005 نص بوضوح في مادته (112) على ضرورة تشريع قانون ينظم إدارة قطاع النفط والغاز، فإن هذا القانون لم يرَ النور حتى الآن، وبدلاً من أن يُصبح إطاراً لضبط العلاقة بين المركز والإقليم، استُخدمت المماطلة في تشريعه كأداة سياسية لعرقلة قدرة الإقليم على الاستثمار والتصدير، ومنذ مارس 2023، توقفت صادرات النفط الكردية بالكامل، وهو ما انعكس مباشرة على قدرة حكومة الإقليم على دفع رواتب موظفيها التي انقطعت منذ مايو (أيار) من العام نفسه، في ظل غياب بدائل مالية تكافئ تلك الإيرادات.

الأزمة لم تقتصر على النفط، فقد مُنعت صادرات زراعية وغذائية من الوصول إلى أسواق الجنوب والوسط عبر إجراءات إدارية وحواجز ميدانية أضعفت قدرة المنتجين على تسويق بضائعهم، كذلك، جرى تقليص حصة الإقليم من الأدوية والمستلزمات الطبية إلى ما دون النصف مقارنة بالسنوات السابقة، ما ألقى بظلاله على قطاع الصحة والخدمات، كما تعرضت منشآت نفطية وغازية لهجمات متكررة من جماعات مسلحة، من دون أن تتخذ السلطات الاتحادية خطوات فعالة لحماية هذه البنى التحتية، الأمر الذي ساهم في تكريس حالة من عدم اليقين الاقتصادي.

تُظهر هذه المعطيات أن العلاقة بين بغداد وأربيل لا تزال محكومة بذهنية مركزية تعد الإقليم طرفاً تابعاً أكثر من كونه شريكاً فيدرالياً متكافئاً، فبينما تستند الحكومات العراقية إلى نصوص الدستور عند الدفاع عن صلاحياتها، تُغفل أو تتجاوز النصوص ذاتها عندما يتعلق الأمر بحقوق الإقليم، وهو ما يطرح إشكالية جوهرية تتعلق بطبيعة العقد الاجتماعي الذي يفترض أن يكون الدستور مرجعيته الضامنة.

إن حق إقليم كردستان في إدارة موارده لا يختزل في مسألة الإيرادات المالية فحسب، بل يمتد إلى جوهر العلاقة الفيدرالية التي تقوم على مبدأ المشاركة والاعتراف المتكافئ، فالخشية من أن يؤدي اقتصاد إقليمي مزدهر إلى تعزيز استقلالية سياسية أكبر، لا يمكن أن تكون مبرراً لسياسات التقييد أو الحصار، وعلى العكس، فإن تعزيز النمو في الإقليم يمكن أن يشكل رافعة للاقتصاد الوطني ككل، فالتجربة الألمانية تمثل نموذجاً لافتاً، إذ ساهمت أقاليم قوية مثل بافاريا، بما تمتلكه من قاعدة صناعية ومالية، في رفد الاقتصاد الاتحادي وتعزيز استقراره، من دون أن يهدد ذلك وحدة الدولة.

إن استدامة الوضع الحالي لن تؤدي إلا إلى تكريس أزمة ثقة عميقة بين المكونات، وتغذية الشعور بالإقصاء لدى مواطني الإقليم، ولعل الدرس الأبرز الذي يمكن استخلاصه من تجارب الدول الفيدرالية الناجحة هو أن التكامل لا يتحقق عبر الإضعاف المتبادل، بل من خلال شراكة حقيقية تتيح لكل طرف تنمية موارده وإسهامها في الإطار الاتحادي العام، من هنا، فإن مستقبل العراق الفيدرالي يتطلب إعادة النظر في السياسات الاقتصادية الموجهة تجاه إقليم كردستان، وتفعيل الأطر الدستورية غير المنفذة، وعلى رأسها قانون النفط والغاز، كما يستدعي ضمان حق الإقليم في تصدير منتجاته الزراعية والصناعية بحرية، والحصول على حصته العادلة من الأدوية والمخصصات الصحية، بعدّ ذلك جزءاً من الحقوق الدستورية للمواطنين لا مجرد امتياز سياسي.

إن معالجة هذه الإشكالات بروح من الشراكة والالتزام الدستوري ستفتح الباب أمام بناء علاقة أكثر استقراراً بين المركز والإقليم، أما استمرار السياسات الحالية، القائمة على تعطيل الصلاحيات الدستورية وتقليص الموارد، فلن يؤدي إلا إلى مفاقمة التوتر وتعميق الفجوة بين المكونات، الأمر الذي يتناقض مع الهدف المعلن لبناء دولة اتحادية ديمقراطية قادرة على استيعاب تنوعها القومي والثقافي والاقتصادي.

===========

الشرق الأوسط

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…

عبدالكريم حاجي بافي بيشو   انتهت المرحلة الأولى بفشلٍ ذريع بكل المقاييس، دفع ثمنه آلاف من شبابنا، وتشرّدت بسببه آلاف العوائل الكردية. واليوم، ومع بداية المرحلة الثانية، يبرز السؤال المصيري بقوة: هل ستبقى الحركة الكردية، ومعها الشعب الكردي بكل فئاته، أسرى نهجٍ دخيل وغريب عن جسد شعبنا؟ وهل سيستمر الصمت وكتم الصوت بحجة أن الظروف غير مناسبة ؟ أم آن…