الأكراد بين التجربة العراقية والصراع السوري

مسلم شيخ حسن – كوباني

في مطلع تسعينيات القرن الماضي وتحديداً عام ١٩٩٢، تمكن الأكراد في شمال العراق من بناء تجربتهم الإدارية والسياسية الخاصة بعد أن أصبح الإقليم شبه مستقل حيث أسسوا مؤسساتهم وإداراتهم الخاصة. ومع سقوط نظام صدام حسين في ٩ نيسان ٢٠٠٣، برزت فرصة سياسية جديدة على مستوى  العراق ككل . حينها عاد الكرد إلى بغداد وشاركوا في العملية السياسية جنباً الى جنب مع القوى العراقية الأخرى وأسهموا في بناء مؤسسات الدولة الإدارية والسياسية والعسكرية الأمر الذي جعل من التجربة الكردية نموذجاً في المشاركة الفاعلة في الدولة العراقية لا مشروعاً انفصالياً كما روج سابقاً.

غير أن المشهد في سوريا اليوم يختلف جذرياً عن الحالة العراقية . فالحكومة الانتقالية في دمشق بقيادة الرئيس أحمد الشرع لا تزال بعيدة عن تقديم الأرضية السياسية والقانونية التي تسمح باندماج جميع المكونات وفي مقدمتها الشعب الكردي.

إن القرارات التي اتخذت منذ الإعلان الدستوري مروراً بانتخابات مجلس الشعب وصولاً إلى السياسات المختلفة المعتمدة تعكس غياب رغبة حقيقية في احتضان التنوع السوري. وهو ما جعل قطاعات واسعة من السوريين وخصوصاً الكرد تشعر بأن هذه السياسات لا تخدم مصالحهم ولا تعبر عن أهدافهم.

إن التجربة العراقية تقدم دليلاً عملياً على أن الشعب الكردي ليس ميالاً بطبيعته نحو الأجندات الانفصالية. بل على العكس فهو مستعد للعودة إلى مركز الدولة والمشاركة في مؤسساتها متى ما توفرت الأرضية السياسية والدستورية العادلة . وعندما أتيحت للكرد فرصة المشاركة في العراق عادوا إلى بغداد وشاركوا في رسم مستقبل الدولة. والأمر نفسه ينطبق  على سوريا حيث لا يرى الأكراد مستقبلهم خارج الإطار الوطني السوري بل داخل دولة ديمقراطية تشاركية تضمن حقوق جميع مكوناتها العرب والكرد والآشوريين والتركمان.

 الواقع السوري الراهن يظهر بوضوح أن الإقصاء السياسي وغياب الرؤية الوطنية الشاملة يشكلان عائقاً أمام أي مشروع وطني شامل. وفي حال استمرت دمشق في إدارة البلاد بعقلية مركزية ضيقة فلن تتمكن من استقطاب مكون رئيسي كالكرد الذين ما زالوا ينتظرون إشارة جادة لفتح باب الشراكة الحقيقية .

خلاصة القول ، لا يسعى الشعب الكردي في سوريا إلى أجندات انفصالية كما يوحي بعض الخطابات القومية الشوفينية. بل على العكس يسعون إلى عقد اجتماعي جديد يضمن مكانتهم وحقوقهم ضمن الدولة السورية. والتجربة العراقية تؤكد أن المشاركة الكردية الفاعلة ممكنة عندما تتوفر الإرادة السياسية والرؤية الجامعة . ومن دون ذلك ستظل دمشق عاجزة عن اعادة بناء ثقة جميع السوريين بدولتهم.

11 / 9 / 2025

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين المسؤولون برئاسة الإقليم ، والحكومة ، والمؤسسات الأخرى المدنية ، والعسكرية ، والأمنية ، والحزبية ، ومنذ اعلان الفيدرالية ، بعد انتخابات المجلس الوطني – البرلمان – عام ١٩٩٢ ، وحتى الان لم يتوقفوا عن الانفتاح على العالم الخارجي ، وبناء العلاقات الدبلوماسية ، والاقتصادية ليس انطلاقا من بنود الدستور العراقي فحسب بل من خصوصية فيدراليتهم الشبيهة بالكونفدرالية…

محي الدين حاجي في عتمة الغرف الطينية السرية وبعيداً عن عيون الأجهزة الأمنية، كان صوت دوران الالة الكاتبة أشبه بدمدمة ثورية خافتة. لم تكن تلك الآلات البدائية تطبع منشورات عادية، بل كانت تصوغ باللغتين الكردية والعربية ملامح الوعي السياسي لحركة ولدت في السر، وعاشت على وقع الأزمات.منذ التأسيس الأول للحركة الكردية عام 1957 وحتى مطلع الثمانينيات، لم تكن الصحافة الحزبية…

محمد سعيد آلوجي إذا نظرنا إلى هذا اللقاء من زاوية سياسية لا إعلامية، فإن أهميته لا تكمن في البروتوكول وحده، بل في الرسائل التي حملها. لقاء رئيس إقليم كوردستان العراق نيجيرفان بارزاني مع الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع، وما رافقه من حفاوة استقبال رسمية، يمكن قراءته على عدة مستويات: 1. الاعتراف السياسي المتبادل: منح الاستقبال البروتوكولي الرفيع انطباعاً بأن دمشق…

مهند محمود شوقي لم يكن أكثر ما شد انتباهي في قضاء ئامێدی بوابته الحجرية، ولا أسواره التي قاومت قروناً من التحولات، بل ذلك الشعور الذي يرافق الإنسان عندما يقف في مكان يدرك أن آلاف الأشخاص سبقوه إلى النقطة نفسها. ملوك مروا من هنا، وعلماء ورهبان وتجار وجنود، تركوا جميعاً أثراً ما زالت الأرض تحفظه بصمت. كل خطوة بين…