الثقافة السائلة في المأساة السورية والكوردية

د. محمود عباس

حين وصف زيجمونت باومان عالمنا المعاصر بأنه عالم “سائل”، كان يقصد أن كل ما كان ثابتًا من قيم وهويات وعلاقات، أصبح هشًّا وقابلاً للذوبان، هذا التوصيف ينسحب بوضوح على الواقع السوري والكوردي، سواء في خطاب الحكومة السورية الانتقالية أو في الحراك الكوردي ممثلًا بالهيئة الكوردية المنبثقة عن مؤتمر قامشلو وبقوات قسد والإدارة الذاتية، حيث تحولت القضايا الكبرى إلى “مادة سائلة” تتحكم بها مصالح الدول والقوى، بدل أن تكون مبنية على ثوابت وطنية أو إنسانية.

في سوريا، لم تعد الوطنية مفهومًا صلبًا كما حلمت به الأجيال الأولى، بل تحولت إلى شعارات عابرة، تتغير بتغير مواقف القوى الإقليمية والدولية، المعارضة نفسها، ومعها حكومة الشرع التي كان يُفترض أن تكون نقيضًا للسلطة البائدة، ذابت في لعبة التحالفات والتبعية، فأصبح خطابها السائل انعكاسًا لسيولة الواقع، لا يعكس ثباتًا أخلاقيًا أو مشروعًا تحرريًا، أمام الداخل والخارج، تتظاهر هذه القوى بانفتاح ثقافي مرن، لكنها في الممارسة تتحرك وفق منطق الجمود الفكري وثقافة صلبة لا تقبل التغيير.

أما الكورد، فقد وجدوا أنفسهم في قلب هذه الثقافة السائلة؛ هويتهم السياسية تختزل مرة في شعار الفيدرالية، وأخرى في ذرائع “الوحدة الوطنية”، وثالثة في اتهامات الانفصال، وكل ذلك يعكس غياب اعتراف راسخ بكيانهم، وخضوع قضيتهم لتجاذبات آنية، وهكذا أصبح الكوردي محاصرًا بين هويات متناقضة مفروضة عليه من الخارج: مرة يُقدَّم كشريك استراتيجي، ومرة يُتهم كخطر انفصالي، وأحيانًا يُواجَه بسيولة فكرية توهم بالمرونة، وأخرى بجمود كارثي يعيد إنتاج الإقصاء.

الثقافة السائلة هنا ليست مجرد توصيف فكري، بل جرح يومي. فغياب الثبات يعني غياب الأمان، وتحويل الإنسان إلى كائن عابر في لعبة الأمم. السوري يعيش في واقع يتبخر فيه الحق والعدالة، ولا يبقى صلبًا إلا الموت، بينما الكوردي يواجه تذويب قضيته في البيانات الدولية والتفاهمات العارضة، فلا تجد شكلاً صلبًا تستقر فيه.

ومع ذلك، في قلب هذه السيولة تكمن جدلية أخرى؛ فإذا كانت القوى الإقليمية والدولية توظف هذه “السيولة” لإذابة الحقوق، فقد يكون الحل في أن يحول الكورد والسوريون هذه الحالة نفسها إلى طاقة مقاومة، فيستفيدوا من مرونتها لصياغة هويات جديدة وسياسات بديلة، عابرة للطائفية والجمود القومي، فالثقافة الصلبة أنجبت أنظمة الاستبداد، بينما قد تمنح الثقافة السائلة فرصة لبناء هوية إنسانية أكثر رحابة، إذا استُثمرت بوعي.

لقد أثبت التاريخ أن الإمبراطوريات الصلبة والأنظمة الدكتاتورية، مهما بدت قوية ومتماسكة، تنهار حين تفقد القدرة على التكيّف مع تحولات المجتمعات والشعوب، من الإمبراطوريات القديمة التي تهاوت بفعل جمودها الفكري، إلى الأنظمة الحديثة التي انهارت تحت ضغط التغيير، كانت الصلابة المفرطة هي نقطة ضعفها الكبرى. أما الشعوب التي تبنّت مرونة ثقافية وفكرية فقد استطاعت أن تنجو، وتعيد إنتاج نفسها، وأن تمهّد لولادة حضارات جديدة من تحت الركام.

والتمسك بالنظام المركزي اليوم ليس إلا استمرارًا لثقافة صلبة متحجرة، لم تنتج عبر التاريخ إلا الاستبداد وإعادة إنتاج القمع. في المقابل، فإن اللامركزية والنظام الفيدرالي يمثلان تجسيدًا للثقافة السائلة، التي تستوعب التعدد، وتفتح المجال أمام الحرية والمشاركة، وتبني مؤسسات قادرة على التكيف مع الواقع بدل الانكسار أمامه. وهنا تكمن الركيزة الحقيقية لأي مشروع وطني ناجح، أن تُبنى سوريا جديدة على مرونة الفيدرالية لا على صلابة المركزية، لأن الأولى تحمل بذور الإنقاذ، بينما الثانية لا تورث إلا التدمير.

على أن الحكومة السورية الانتقالية التي تتسلط عليها هيئة تحرير الشام ذات الثقافة الصلبة، والمدعومة بخطاب الطورانية العنصرية، لا تفعل سوى جرّ سوريا نحو الهلاك، عبر إعادة إنتاج منهجية استبداد أشد فتكًا من الماضي. وهذا الواقع يفرض على الشعب الكوردي، الذي عاش وتربى على ثقافة سائلة مرنة، أن يقف في وجهها بشكل عفوي، فالصراع في عمقه هو صراع بين ثقافتين، ثقافة الجمود الفكرية التي لا ترى سوى الإقصاء والقمع، وثقافة السيولة الذهنية التي تطمح إلى آفاق الحضارة والرقي، وإلى وطن نقي يحتضن كل مكونات الجغرافيا السورية.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

16/8/2025

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…