الحكم المركزي الشمولي والحكم الفيدرالي: أيهما أصلح لمستقبل سوريا بعد أربعة عشر عامًا من الحرب؟

كاوا رشيد

شهدت سوريا خلال أربعة عشر عامًا حربًا أهلية مدمرة تركت البلاد أمام تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية غير مسبوقة. الحرب التي بدأت عام 2011 أفرزت واقعًا مأساويًا و دمار شامل للبنية التحتية، تهجير ملايين السوريين داخليًا وخارجيًا، انقسام سياسي حاد، وتدخلات إقليمية ودولية متشابكة. في ظل هذا المشهد يبرز سؤال جوهري حول شكل الحكم الأنسب لإعادة بناء الدولة وضمان استقرارها على المدى البعيد, هل تحتاج سوريا إلى دولة مركزية شمولية قوية، أم إلى نظام فيدرالي أو لامركزي موسع يوزع السلطات على المناطق المختلفة؟

الدولة ذات الحكم المركزي الشمولي هي تلك التي تتركز فيها السلطة السياسية والإدارية في يد حكومة مركزية واحدة، تدير شؤون البلاد من العاصمة، وتفرض قوانين موحدة على جميع الأقاليم. هذا النموذج كان سائدًا في فرنسا خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حيث كانت باريس تتحكم في القرارات الكبرى حتى على المستوى البلدي. من الأمثلة المعاصرة أيضًا كوريا الشمالية، حيث تسيطر القيادة المركزية على كل مفاصل الدولة.

يتميز هذا النموذج بالقدرة على اتخاذ قرارات سريعة وتوحيد السياسات الوطنية، لكنه قد يؤدي إلى تهميش المناطق النائية وتجاهل التنوع الثقافي والاجتماعي، ما يزيد احتمالات الاحتقان والصراع الطويل الامد ويكون عائقا امام التطور.

أما الدولة الفيدرالية فهي اتحاد بين وحدات سياسية تتمتع كل منها بسلطات تشريعية وتنفيذية واسعة في شؤونها الداخلية، مع وجود حكومة اتحادية تدير الملفات السيادية الكبرى مثل الدفاع والسياسة الخارجية والعملة. من أبرز الأمثلة الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تمتلك كل ولاية دستورها وقوانينها المحلية، وألمانيا الاتحادية التي تضم ست عشرة ولاية تتمتع بصلاحيات واسعة، إضافة إلى الإمارات العربية المتحدة التي تتكون من سبع إمارات لكل منها حكمها المحلي، بينما تشترك جميعها في السياسات الخارجية والدفاعية. يتيح هذا النظام تمكين المناطق من إدارة شؤونها بما يتناسب مع احتياجاتها وخصوصياتها، ويعزز الشعور بالانتماءو لكنه يتطلب مؤسسات قوية للتنسيق ويواجه خطر النزعات الانفصالية إذا لم تُبنَ روابط اتحادية متينة.

في الحالة السورية

 يفرض الواقع المعقد نفسه على أي محاولة لاختيار النموذج الأمثل. فالتدمير واسع النطاق، وكلفة إعادة الإعمار قد تتجاوز مئات المليارات من الدولارات، والبلاد مقسمة فعليًا بين سلطات مختلفة، منها الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا وفصائل محلية في مناطق أخرى، فضلًا عن انعدام الثقة بين المكونات العرقية والطائفية.

ان إعادة إنتاج نظام مركزي شمولي قوي في هذه الظروف قد يوحد القرار السياسي، لكنه سيعيد أيضًا إنتاج أسباب التوتر التي ساهمت في اندلاع النزاع، ويترك الباب مفتوحًا أمام عودة الصراع في المقابل، يمكن للنظام الفيدرالي أو اللامركزي الموسع أن يوفر إطارًا لتقاسم السلطة ويمكّن كل منطقة من المشاركة في صنع القرار وإدارة الإعمار وفق أولوياتها، ما يعزز فرص الاستقرار.

لكن تبني الفيدرالية في سوريا لا يمكن أن يكون خطوة سريعة أو مفروضة من فوق، بل ينبغي أن يأتي ضمن عملية انتقالية متدرجة تتضمن أولًا وقفًا شاملًا لإطلاق النار بضمانات دولية، ثم اتفاقًا سياسيًا يحدد مبادئ الوحدة الوطنية وحماية حقوق الأقليات، يلي ذلك وضع دستور مرحلي يوازن بين صلاحيات الحكومة المركزية في القضايا السيادية وبين منح السلطات المحلية حرية واسعة في إدارة شؤونها الخدمية والتنموية. بعد ذلك يمكن إجراء انتخابات محلية ثم وطنية، وإصلاح القطاع الأمني بدمج القوى المحلية ضمن مؤسسات وطنية، مع إطلاق خطة شفافة لإعادة الإعمار تركز على الاحتياجات العاجلة مثل الإسكانو المياهو الكهرباءو والتعليم بالتوازي مع برامج للمصالحة والعدالة الانتقالية لمعالجة إرث الحرب.

خلاصة القول، إن مستقبل سوريا يتطلب صيغة حكم تجمع بين قوة الدولة المركزية في حماية الوحدة والسيادة، ومرونة النظام اللامركزي أو الفيدرالي في تمثيل التنوع وإعطاء كل منطقة مساحة لإدارة شؤونها. في ظل الانقسامات العميقة والتحديات الهائلة التي خلفتها الحرب، يبدو أن الخيار الأكثر واقعية واستدامة هو نموذج لامركزي أو فيدرالي مرحلي، يُبنى على التوافق والمشاركة، ليكون أساسًا لسوريا جديدة آمنة ومستقرة.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
1 Comment
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
زبير عبدالله
زبير عبدالله
6 شهور

اعرفك جيدا ،واعتقد انك اخر من بجب أن يتحدث عن الوطنية بشكله الكوردي او السوري عموما…

اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…