الدين بين القداسة والاستغلال: تأملات في ثورة الروح وثورة السياسة

صلاح عمر

بعد أن نشرت اقتباسًا شهيرًا لتشي غيفارا يقول:
“إذا اعتمدت على رجال الدين في بناء دولة، وإنسان راقٍ فتأكد أنك لن تبني دولة؛ ولن تصنع إنسان، بل ستبني مغارة لصوص وبجوارها مقبرة!”
نشأ لغط وسوء فهم بين بعض الإخوة، إذ ظنّ البعض خطأً أنني أعارض الأديان أو أنني أستنكر وجودها وأهميتها. ولهذا، كان من واجبي أن أوضح موقفي بكل شفافية ووضوح.

أنا لا أهاجم الدين، بل أحترمه وأقدّره كقيمة روحية سامية تسكن في أعماق النفس الإنسانية، وكمصدر غني للأخلاق والقيم التي تهذب الإنسان وتسمو به فوق الماديات. الدين في جوهره قداسة ونقاء، يفيض بمحبة وسلام، ويحضّ على العدالة والرحمة.

لكن ما أرفضه بشدة، وأدينّه هو استغلال الدين من قبل بعض رجال الدين الذين يحوّلون الإيمان النقي إلى لعبة سياسية قذرة، يستغلون فيها القداسة لتثبيت سلطتهم، وتحقيق مصالحهم الشخصية على حساب شعوبهم وأوطانهم.

هذا الاستغلال الذي يحول الدين من نور إلى ظلام، ومن مصدر حرية وكرامة إلى أداة قمع وبغضاء، هو خطر حقيقي يهدد حاضرنا ومستقبلنا، ولا يمكن أن نصمت عنه أو نتجاهله.

في تاريخ البشرية، كانت الأديان أعمدة الروح والعقل، منبعا للسلام الداخلي والخارجي، ومصدرا للإلهام الذي حفّز الإنسان على صنع الحضارات وبناء القيم. أما حين يُختطف الدين ويُساء استخدامه، فإنه يختنق، وتخفت أنواره، لتتحول المقدسات إلى حجج لتبرير الظلم والعدوان.

لقد شاهدنا هذا الواقع عبر التاريخ، من استغلال الدين لتبرير الحروب والاحتلالات، إلى استخدام رجال الدين كأدوات للسلطة السياسية على حساب مبادئ الإيمان ذاته. وهذا ليس حكرًا على دين معين، بل هو شائع عبر كل الأديان والحقب الزمنية.

في السياق الكردي، لا يمكننا أن ننكر أن ثورتنا الوطنية كانت تحفل بأسماء رجال دين وشيوخ أوفياء حملوا راية الحرية والكرامة. رجال مثل الشيخ عبيدالله النهري، والشيخ سعيد بيران، وعبدالسلام البارزاني، وقاضي محمد، كانوا على العكس من ذلك مثالاً ناصعًا لمزج الإيمان العميق بالالتزام الوطني الصادق.

هؤلاء لم يستخدموا الدين كغطاء للسلطة، بل كان إيمانهم منبعًا لقوة المقاومة والصمود، وحافزًا على الدفاع عن كرامة شعبٍ تعرض للقهر والطمس. تجسدوا فيهم أسمى معاني الإباء والتضحية، وأثبتوا أن الدين يمكن أن يكون قوة تحررية تبني وليس أداة لتدمير.

لكن في ذات الوقت، عايشنا وجهاً آخر مغايرًا، حيث ظهر بعض رجال الدين الذين باعوا ضمائرهم، وتحولوا إلى أدوات بيد المحتلين، ينشرون الخوف والتفرقة باسم الدين، ويغتالون الأمل باسم الطاعة والخضوع.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي: أن الدين لا يقاس بما يرتديه رجل الدين، بل بما يحمله من رسالة نبل وإخلاص. فالدين في أسمى معانيه رسالة إنسانية سامية، لا تُقيد الإنسان بل تحرره، لا تهدم المجتمعات بل تبنيها على أسس العدالة والرحمة.

إن فهم هذا التوازن الحساس بين القداسة والاستغلال هو الخطوة الأولى نحو تجاوز الانقسامات التي تعصف بمجتمعاتنا، وخصوصًا في كردستاننا الحبيبة التي ما زالت تعاني من مآسي الاستغلال والاضطهاد.

اليوم، ونحن نعيش تحديات كبرى تتطلب منا الوحدة والعمل البناء، يجب أن نستنير بتاريخنا وبقصص الأبطال من رجال الدين الأتقياء، ونعترف بأن خطر استغلال الدين يبقى حاضرًا، ويتطلب يقظة مستمرة ووعيًا سياسيًا واجتماعيًا عميقًا.

علينا أن نرفض جميع أشكال الاستغلال التي تحوّل الدين إلى مغارة لصوص ومقبرة للأحلام، وأن نعيد للدين قيمته الحقيقية، كقوة توحيد ومحبة، تدعو إلى حرية الإنسان وكرامته، وترفض كل أشكال القمع والفساد.

الدين الحق هو ذاك الذي يعلي من قيمة الإنسان، ويرعى ضميره، ويؤمن بعدالة الأرض، ويزرع السلام في النفوس، مهما كان زمننا عصيبًا ومهما كثرت فيه التحديات.

فلنحيي في قلوبنا روح رجال الدين الشجعان الذين وقفوا بوجه الظلم، ولنعمل معًا على بناء مجتمعٍ يحترم القيم الروحية الحقيقية، ويرفض كل أشكال الاستغلال، من أجل كردستانٍ حرة، وعدالةٍ مستدامة، وإنسانٍ كريم.

إنّ الطريق إلى الحرية والكرامة لا يبدأ إلا بقلب واعٍ وعقل مستنير، يفهم أن الدين الحقيقي هو رسالة سلام ومحبة، لا أداة قمع وظلم. علينا أن نحمي إرثنا الروحي من الانزلاق نحو استغلال يُلهينا عن جوهر الإيمان ويُبعدنا عن هدفنا النبيل في بناء مجتمع حرٍ عادلٍ يُكرم الإنسان ويُعلي من قيم العدالة والمساواة.

لنستمد من تاريخنا العريق، ومن رجال الدين الأتقياء الذين حملوا راية الحق، دروسًا في الشجاعة والتضحية، ولنرفض كل أشكال الاستبداد التي تستغل الدين لأغراض سياسية ضيقة.

إن كردستان التي نحلم بها هي كردستان الإنسان، التي يتساوى فيها الجميع تحت ظل العدالة، ويزدهر فيها الإنسان بروحه وعقله، لا تحت سطوة سلطة تلبس لباس القداسة، ولكنها في حقيقتها مغارة لصوص تُدفن فيها أحلام الأجيال.

فلتكن قلوبنا وعقولنا منارة تنير درب هذا الحلم، ونضالنا من أجلها مستمر، لا ينكسر، حتى نحقق الحرية التي تستحقها أرواح شهدائنا، وكرامة شعبنا.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…