درب الشجعان ملحمة البيشمركة

مكرمة العيسى – دهوك إقليم كوردستان.

روت الحياة لنا وقائع، وما زالت تروي عن البيشمركة وأمجاد المطالبين بالحرية، مقدمين أرواحهم فداءً لكوردستان، مسجلين دروسًا في معنى حرية الإنسان.

لقد ضربوا أمثلة في نيل الحرية، والفخر، والاعتزاز بالتاريخ، قديمًا وحديثًا، على خطى البارزاني الخالد، متمسكين بالمبادئ الإنسانية في الحرب والسلم، ورافعين شأن كرامة الإنسان.

نحن الكوردستانيون نفتخر بالبيشمركة منذ نشأتهم، والتي تمتد إلى أوائل القرن العشرين. فبعد سقوط الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، كانت البيشمركة آنذاك قوة منظمة، اتسعت مع اتساع الحركة القومية الكوردية. وفي عام 1947-1949 أصبحت البيشمركة بقيادة مصطفى البارزاني الجيش الرسمي لجمهورية مهاباد.

وبعد سقوط الجمهورية وإعدام الزعيم قاضي محمد، واصلت البيشمركة دفاعها عن كوردستان. وفي بداية الستينات، وبعد إعلان الثورة الكوردية، أصبحت البيشمركة جزءًا من الهوية الكوردية العامة والمدافعة عنها، وخاضت معارك متعددة بقيادة البارزاني الخالد، ضد القوات الحكومية العراقية التي أعلنت الحرب على الكورد.

وفي سبعينات القرن الماضي، أصبحت البيشمركة قوة مؤثرة. وأثناء الحرب العراقية الإيرانية، انشق عدد كبير من المقاتلين الكورد عن الجيش العراقي وانضموا إلى صفوف البيشمركة.

خلال هذه الفترة، ارتكب النظام الشوفيني العراقي أبشع الجرائم بحق الكورد، مثل حملات الأنفال وفقدان أكثر من 8000 كوردي بين شهيد ومفقود، فضلًا عن قصف مدينة حلبجة عام 1988 بالأسلحة الكيماوية (غاز الأعصاب والخردل)، ما أسفر عن استشهاد أكثر من 5000 شخص، أغلبهم من الأطفال والنساء والشيوخ.

ورغم هذا العدوان، واصلت قوات البيشمركة دفاعها عن كوردستان. فبعد حرب الخليج وعمليات “عاصفة الصحراء” الدولية، انطلقت الانتفاضة الكوردية، وفرضت منطقة الحظر الجوي على المناطق الكوردية، مما أتاح للكورد نوعًا من الاستقلالية عن حكومة بغداد.

وعندما دخلت القوات الأمريكية إلى العراق، وأسقطت نظام صدام حسين، بدأت بالتعاون مع قوات البيشمركة في مجالات التدريب العسكري والهندسة، وشاركت معها في عمليات ميدانية. وآنذاك انتُخب مام جلال طالباني رئيسًا للعراق، والزعيم مسعود البارزاني رئيسًا لإقليم كوردستان، مما زاد من أمل الكورد في تقرير مصيرهم.

لكن أعداء الكورد لم يُرضهم هذا التقدم، فبدأت أنظار التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها ما يسمى “الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش)، تتجه نحو كوردستان.

في منتصف عام 2013، بدأت داعش بهجماتها على المناطق الكوردية في سوريا والعراق. ففي سوريا، تصدت قوات الحماية الشعبية YPG/YPJ لهذا التنظيم حتى منتصف عام 2014، حيث سقط العديد من الشهداء الكورد.

لكن نقطة التحول كانت في يونيو 2014، عندما هاجمت داعش مدينة الموصل، واستولت عليها بالكامل، فانهار الجيش العراقي هناك، واستولت داعش على كميات كبيرة من الأسلحة، نقلتها إلى سوريا، ثم تقدمت نحو المناطق الكوردية في العراق.

حينها، قررت حكومة إقليم كوردستان مواجهة هذا التنظيم الإرهابي بإرادة قوية، بعدما انسحب الجيش العراقي، تاركًا وراءه معداته. وفي نفس الفترة، شنت داعش هجمات عنيفة على مدينة كوباني في شمال سوريا، مما أدى إلى نزوح أكثر من 160 ألفًا من سكانها إلى تركيا.

ومع سقوط كوباني، ومن منطلق الدفاع عن كرامة الكورد وأراضيهم، أرسل الزعيم مسعود البارزاني رسالة إلى برلمان كوردستان طالب فيها بالسماح بتحريك قوات البيشمركة إلى خارج الإقليم. وبالفعل، منحه البرلمان هذا القرار.

رغم رفض تركيا التدخل ضد داعش أو السماح للمقاتلين الكورد بعبور حدودها، تصاعدت الاحتجاجات الكوردية في تركيا، وهدد الكورد في باكور كوردستان بالانسحاب من مباحثات السلام مع الحكومة التركية.

أصبحت مدينة كوباني رمزًا للمقاومة الكوردية، ولاقت اهتمامًا إعلاميًا عالميًا. وبتوجيه من الزعيم البارزاني، تحركت أول دفعة من قوات البيشمركة نحو كوباني بتاريخ 30-10-2014، وسط ترحيب شعبي كبير، حيث رُشت الورود على المقاتلين من هولير إلى كوباني، ورددت الجماهير هتافات الوحدة الكوردية.

بعد وصول البيشمركة، تم التنسيق مع قوات الحماية الشعبية، وإنشاء غرفة عمليات مشتركة، وبدعم جوي من التحالف الدولي بدأت معركة تحرير كوباني، التي استمرت أربعة أشهر، وسقط خلالها العديد من الشهداء من قوات YPG/YPJ والبيشمركة، وانتهت بتحرير المدينة.

في داخل إقليم كوردستان، استمرت المعارك ضد داعش من شنكال إلى خانقين، على طول 1050 كلم. فخاض البيشمركة معارك بطولية في:

  • كسكي: صدوا محاولات داعش للسيطرة على زمار وريفها.

  • دوغاتا: معركة شرسة انتهت بتحرير المنطقة قرب باتنايا.

  • تلكيف وسهل نينوى: دافعوا عن المنطقة رغم استهدافها بحجة وجود ديانات غير إسلامية.

  • شنكال: حرب شوارع شرسة، دافع فيها البيشمركة ببسالة حتى التحرير.

وبذلك، انتهت حقبة داعش وانهزمت بفضل بسالة البيشمركة وقيادة الزعيم مسعود البارزاني، مسطرين بذلك ملاحم بطولية خالدة في تاريخ البشرية، ومصدر فخر واعتزاز لكل كوردي.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

نجاح هيفو لم يعد أخطر ما فعلته التكنولوجيا أنها قرّبت المسافات بين البشر، بل أنها جعلت حياة الإنسان نفسها قابلة للتحول إلى سلعة. قبل أيام، وجدت نفسي أمام مشهد من المشاهد التي تبدو في ظاهرها عابرة: اهتمام جماهيري واسع بقصة طلاق شوق، وما رافقها من تداول وتفاعل ومتابعة وتفاصيل شخصية. ليس المقصود هنا محاكمة شوق، ولا الدفاع عن طرف ضد…

حوران حم لم تعد أزمة الحركة الحزبية الكوردية في سوريا مجرد أزمة أحزاب متفرقة أو قيادات أخطأت في إدارة المرحلة، بل أصبحت أزمة أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين الحزب والمجتمع، وبين المواطن والقائد، وبين القضية الكوردية والتنظيمات التي رفعت رايتها لعقود. فالحركة السياسية الكوردية نشأت في ظروف قاسية، وفي ظل إنكار للوجود والحقوق القومية للكورد، ولذلك كان الانتماء الحزبي بالنسبة…

محي الدين حاجي عند تفكيك المشهد السياسي والأيديولوجي للحركة الكردية العابرة للحدود، يتجلى بوضوح وجود مثلث تحليلي تتوزع فيه الأدوار بدقة بين ثلاثة أطراف حزب العمال الكردستاني (PKK) كمركز ثقل عقائدي، وحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) كذراع حركي وتطبيقي في سوريا، وحزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM Party) كواجهة سياسية وبرلمانية داخل تركيا. تتحرك هذه الأطراف الثلاثة وفق هندسة فكرية صاغها زعيم…

د. محمود عباس على مدى عقود، جرى تقديم النائب الكوردي حسن خيري بك في جانب واسع من الخطاب السياسي والثقافي الكوردي بوصفه أحد النماذج الجاهزة لـ«الخيانة»، حتى اختُزل الرجل كله في موقف واحد اتخذه في واحدة من أكثر لحظات التاريخ الكوردي حساسية وتعقيدًا. ومع مرور الزمن، تحولت التهمة إلى شبه مسلّمة تُردد أكثر مما تُناقش، وكأن…