ورقة سياسية :  من أجل إحداث تغيير بنيوي في منهجية العمل السياسي الكردي.

اكرم حسين

تمرّ الحركة الكردية في سوريا بمرحلة دقيقة تتطلب وقفة وطنية مسؤولة أمام الذات والتاريخ. فبعد أكثر من عقد على انطلاقة الثورة السورية، وما تبعها من تحولات كبرى، جاءت لحظة السقوط المدوي للنظام الاستبدادي في 8 كانون الأول 2024، لتفتح نافذة أمام الشعب السوري عموماً، والشعب الكردي على وجه الخصوص، لإعادة صياغة مستقبله على أسس الحرية والشراكة والكرامة.

غير أن واقع الحركة الكردية لا يزال أسير الانقسامات والصراعات الحزبية والارتهانات التي أضعفت الموقف الكردي، وقلّصت من هامش المبادرة والتأثير في لحظة سياسية فارقة.

من هنا، وانطلاقاً من المسؤولية  الوطنية والقومية ، يأتي طرح  هذه الورقة كمبادرة سياسية شاملة تهدف إلى:

  • إحداث تغيير بنيوي في الحركة الكردية السورية.
  • إنهاء الخلافات والانقسامات البينية.
  • استعادة ثقة الشارع الكردي.
  • الانخراط في الدولة السورية الجديدة كشركاء حقيقيين في بناء وطن ديمقراطي تعددي يقوم على المساواة والاعتراف والعدالة.

أولاً: الأرضية السياسية للورقة 

تستند هذه الورقة  إلى ثلاثة مرتكزات رئيسية:

  1. روح كونفرانس وحدة الصف والموقف الكردي في سوريا، المنعقد في مدينة قامشلو بتاريخ 26 نيسان 2025، الذي مثّل بداية جديدة لتجاوز حالة الانقسام وتوحيد الرؤية الكردية المشتركة.
  2. التطورات السياسية في البلاد، لاسيما بعد سقوط النظام القاتل ، وبدء المرحلة الانتقالية التي تتطلب شريكاً كردياً موحداً، قادراً على الدفاع عن الحقوق القومية ضمن إطار سوري وطني جامع.
  3. حالة السخط الشعبي الكردي العارم تجاه الأداء الحزبي والتمثيل النخبوي القائم، وغياب الشفافية و المساءلة والمبادرة، ما يفرض تحولاً جذرياً في منهجية العمل السياسي الكردي.

ثانياً: في الاهداف

  • بناء مشروع سياسي كردي شامل ، يتجاوز الاصطفافات الحزبية، ويتحدث باسم الشعب الكردي، لا باسم الكتل والتنظيمات.
  • إنهاء الانقسام بين القوى الكردية، وطي صفحة الصراع العقيم بين المجلس الوطني الكردي(ENKS) وحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD).
  • إعادة بناء جسور الثقة بين الحركة الكردية والمجتمع الكردي، عبر إشراك الفعاليات المجتمعية، والمثقفين، والنساء، والشباب، والكفاءات المستقلة في رسم القرار السياسي.
  • الانخراط في المشروع الوطني السوري الجديد على أساس الشراكة الكاملة، ضمن دولة ديمقراطية تعددية، تضمن الاعتراف الدستوري بالشعب الكردي، والعدالة الانتقالية، والمواطنة المتساوية، بدون امتيازات أو تهميش.

ثالثاً: آليات التغيير  المقترحة

  1. تجاوز البنية الحزبية المغلقة:
  • دعوة كافة القوى إلى إنهاء التمثيل الحزبي الضيق في القضايا القومية.
  • تبنّي صيغة مجلس وطني كردي ، شامل او اي مسمى اخر ، يضم الجميع  وينتخب ديمقراطياً، بعيداً عن المحاصصة الحزبية والتنظيمية.
  1. استعادة ثقة المجتمع الكردي:
  • مراجعة نقدية وشفافة لمسيرة الحركة الكردية في العقد الأخير.
  • استبعاد من تورط في إضعاف الموقف الكردي، أو التبعية للأجندات الإقليمية .
  • إطلاق عملية مصالحة داخلية كردية، تعيد اللحمة المجتمعية.
  1. تشكيل هيئة سياسية كردية :
  • تنبثق عن مؤتمر وطني كردي عام، وتتولى التفاوض باسم الشعب الكردي مع الدولة السورية الانتقالية( وإلى أن يتم انعقاد هذا المؤتمر يمكن ان يقوم الوفد الكردي المشترك مقام هذه الهيئة بشكل مؤقت ).
  • تتمتع بشرعية شعبية لا حزبية، وتلتزم بروح الرؤية الكردية المشتركة.
  1. الانفتاح الوطني والتوجه نحو المستقبل:
  • التأكيد على أن اللامركزية  في الدولة لا تعني الانفصال أو الانغلاق، بل تندرج ضمن مشروع وطني ديمقراطي جامع.
  • بناء تحالفات وطنية تقوم على الاعتراف المتبادل، والتمثيل العادل، والتكامل السياسي.

رابعاً: الخطوات العملية المقترحة

  1. إطلاق لجنة تحضيرية  من شخصيات سياسية كردية مشهود لها(أطر وأحزاب ومجتمع مدني ) ، تتولى إعداد مسودة الوثيقة السياسية التأسيسية.
  2. تنظيم مؤتمر وطني كردي عام في الداخل السوري، يضم الأحزاب، القوى المجتمعية، الفعاليات المستقلة، النساء، الشباب، والنقابات.
  3. إقرار رؤية سياسية كردية موحدة تُعتمد مرجعية في أي حوار مع الدولة أو الأطراف الإقليمية والدولية.
  4. تشكيل هيئة متابعة دائمة تراقب تطبيق بنود الرؤية ، وتسعى لتثبيت الاتفاقات، وضمان الاستمرارية السياسية.

خامساً: الخطاب السياسي الخارجي

  • تؤكد الورقة على  استقلالية القرار الكردي السوري، وترفض أي وصاية إقليمية أو دولية على خياراته.
  • تنفتح الورقة على جميع الأطراف الدولية الفاعلة في الملف السوري، وتدعوها لدعم هذا التوجه السلمي الذي يخدم استقرار سوريا والمنطقة.
  • تدعو المجتمع الدولي إلى الاعتراف بالشعب الكردي شريكاّ في مستقبل سوريا، ومساندته في نيل حقوقه ضمن إطار الدولة الواحدة، العادلة، وغير المركزية.
  • من أجل مرحلة جديدة:

لا تسعى الورقة إلى إقصاء أحد أو فرض نفسها ، بل تعمل من موقع المسؤولية على بلورة إرادة جماعية حرة تعبّر عن تطلعات ملايين الكرد السوريين، الذين يريدون أن يكونوا شركاء في وطنهم، لا تابعين لأحد ، ولا وقوداً لصراعات الآخرين.

ندعو كل المخلصين من أبناء شعبنا الكردي التفاعل مع هذه الورقة واغنائها بمزيد من الملاحظات والاليات العملية  ، والعمل معاً من أجل بناء مستقبل لا يُقصى فيه أحد، ولا يُقدَّم فيه فصيل على آخر، بل يتحدث فيه الجميع تحت مسمى واحد:  في إطار دولة سوريا الجديدة .

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

الأستاذ وليد جنبلاط المحترم تحية طيبة في الذكرى السنوية لاستشهاد المعلم والقائد الوطني صديق شعبنا الكردي وسائر الشعوب المناضلة من اجل الحرية الراحل كمال جنبلاط . لقد تعاملنا مع الشهيد عن كثب قبل ، وخلال الحرب الاهلية ، وكنا معه ومع قادة العمل الوطني في لبنان من مؤسسي الحركة الوطنية اللبنانية بزعامة تلك القامة العالية ، والعاملين في مختلف مؤسساتها…

د. محمود عباس لم يكن البيان الذي أصدرته وزارة الثروات الطبيعية في حكومة إقليم كوردستان مجرد رد إداري على اتهامات أطلقتها وزارة النفط في بغداد، بل كان في جوهره محاولة لوضع النقاش في إطاره الحقيقي، بعيدًا عن السرديات السياسية التي تُصاغ أحيانًا لتغطية أزمات أعمق في بنية العلاقة بين المركز والإقليم. فالقضية المطروحة اليوم ليست مسألة تقنية تتعلق بتصدير النفط…

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…