الكـورد وتركـيا في ميـزان “الاتفـاق الإبراهـيمي”

عنايت ديكو
كانت تركيا، سواء العثمانية منها أو الأتاتوركية، حريصة دائماً على استخدام الكورد كأدوات فاعلة في صراعاتها ومشاريعها الحربية والسياسية. فقد زُجّ بالكورد في معارك السلطنة الكبرى، من چالديران إلى الحرب مع روسيا، ومن صراعاتها مع اليونان وكوسوفو وبلغاريا، وصولاً إلى ساحات سوريا والعراق في عصرنا الحالي. فلم يكن ذلك من باب الشراكة الاستراتيجية أو الاعتراف بالحقوق القومية للكورد، بل من منطلق التوظيف والاستغلال السياسي والعسكري.
واليوم، ومع تبدّل خريطة التوازنات الإقليمية والدولية، تعود تركيا لاستخدام الكورد ثانية وثالثة ورابعة، ضمن مشروع تركي مُعدّل لضمان حضورها في الإقليم والعالم خلال الألفية الثالثة. والاستدارة التركية الحالية تجاه الكورد بشكل عام، وحزب العمال الكوردستاني بشكل خاص، تبدو أقرب إلى خطة قذرة وماكرة، هدفها تطويع الحركة المسلحة الكوردية، وخلع أنيابها، تمهيداً لإعادة إنتاجها بما يخدم الطموحات والأجندات التركية المستقبلية والاستراتيجية.
فمن خلال هذا النهج، تسعى أنقرة إلى تجنيب نفسها ارتدادات حتمية آتية من عدة جبهات ملتهبة، أبرزها غزة وسوريا وإيران واليمن ولبنان. ومع هذه المتغيرات، تُطرح الكثير من التساؤلات المصيرية، منها:
أولاً: هل تستطيع تركيا بمفردها قيادة كل هذه الضغوط والمعارك والأزمات الداخلية والإقليمية القادمة، أم أنها بحاجة ماسة إلى الكورد ودورهم المصيري في المنطقة، وبلع الطُّعم والاعتراف بهم، خاصة بعد استسلام حزب العمال الكوردستاني عسكرياً ورميه للسلاح؟ أم أن الميكيافيلية التركية الماكرة هي التي ستُحدد طبيعة الصراع والعلاقة المستقبلية بين الأتراك والكورد؟ ومن جهة أخرى، هناك مَنْ يتساءل: ما إذا كانت تركيا ستلجأ إلى سياسة العصا والجزرة في إدارتها لهذه العلاقة، وهل الاستعانة بالسيد عبد الله أوجلان في تنفيذ مخططاتها ومشاريعها الاقتصادية والسياسية والدولتية تصبّ في هذه الخانة وفي هذا الاتجاه ؟
ثانياً: هل ستكتفي تركيا بما حصلت عليه من سيطرة ونفوذ اقتصادي وتجاري وبترولي في الشمال السوري، أم أنها ستواصل توسعها ضمن مشروع سياسي أكبر مما نتوقعه جميعاً ؟
ثالثاً: هل يمكن القول إن الصراع التركي – الإيراني قد انتهى فعلاً، خاصة بعد أن وضعت الحرب أوزارها بين الدولة التركية والعمال الكوردستاني وعودة فتح مطار السليمانية أمام الخطوط الجوية التركية ؟
رابعاً: أين هو ذاك التيار القومي الراديكالي الكوردي المتشدّد داخل صفوف حزب العمال الكوردستاني، والمتشبّع بالإيديولوجيا، والذي يمتلك أوراقاً قوية وعلاقات دولية وإقليمية لا يُستهان بها؟
خامساً: ألا نستطيع القول إن هذا الحوار الصامت بين عبد الله أوجلان والدولة التركية، له أبعاد دولية وإقليمية متعددة ومتشعبة؟ فأين تقف روسيا وإيران واليونان وإسرائيل وأرمينيا، وأين يقف العلويون على طرفي الحدود السورية – التركية من هذا الحوار؟ وما هو الثمن الذي ستدفعه تركيا لكل هذه الأطراف لضمان ولاء الكورد أو تحييدهم؟ وهل ستتنازل تركيا حقاً عن بعض الأوراق لصالح الكورد ضمن هذا المشروع؟
سادساً: المعادلة لا تنتهي هنا، فهناك من يتساءل بقلق: هل ستهاجم تركيا المناطق الكوردية في شمال شرقي سوريا؟ أم أن المخاوف من تصاعد التيار القومي الكوردي الراديكالي داخل حزب العمال الكوردستاني، واستعداد إيران لاستثمار تلك اللحظة، ستمنع أنقرة من اتخاذ مثل هذه الخطوة؟
سابعاً: تلوح في الأفق إشارات قوية لانتهاء “شهر العسل” بين تركيا والسعودية، خاصة بعد بروز ملامح ” الاتفاق الإبراهيمي ” بين اليهود والعرب، واحتمالية انضمام كوردستان العراق إليه. ولعل الزيارة المفاجئة للطاقم الإعلامي السعودي (العربية) إلى قامشلو، والإسراع في إجراء مقابلات مع القائد الكوردي مظلوم عبدي، متضمّناً ومدعوماً بمواقف العشائر العربية، لا يمكن عزلها عن هذه التغيرات والتناقضات البينية.
ثامناً: تصريحات مظلوم عبدي الأخيرة لقناة “العربية”، التي وُصفت بـ”المعسولة” تجاه السلطة في دمشق، أدهشت المراقبين. فهل جاءت هذه التصريحات رداً على هزيمة الاستخبارات التركية في الجنوب السوري؟ أم أن السعودية تريد استمالة الكورد والعشائر معاً، وإسقاط هذه الورقة من يد تركيا؟
تاسعاً: السؤال الأكثر حساسية والمفتوح على احتمالات كبرى: من الذي سينتصر في دمشق بنهاية المطاف؟ هل هو الحلف السعودي – الفرنسي – الإسرائيلي – الأمريكي – الإنكليزي ،
أم الحلف التركي – الإيراني – الجولاني – الأوجلاني؟

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
1 Comment
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
زبير عبدالله
زبير عبدالله
10 شهور

تركيا الاردوغانية أصبحت في حكم المنتهيي،تشبس أردوغان بالسلطة، يدفعه الى اللجوء مرة اخرى للورقة الكورديةوعبدالله اوجلانه،ومحاولةاردوغان زج المعارضة في السجون ،وإبقاء من هم هناك ،مثل ديمرتاش ،وكثيرين آخرون، تدخل ضمن هذه الخانةوالقضية الكوردية اخر ما يفكر فيه،وعلى اقليم كوردستان ايضا ان يفهم ذالك…لكن أردوغان يلزم لخلط الاوراق من قبل روسيا،وهدم مابقي من عوائق لشرق أوسط منتظر..
النقطة الثانية،السعودية لاتخدع الكورد ،مشروعها مع الهند وصولا الى حيفا ،هذا هو الأساس، ودولة فلسطين ،وجر الكورد غربا وجنوبا يدخل ضمن هذا المشروع…والسعودية اخر من تخدع الكورد …
النقطة الثالثة نقع ضمن استراتيجية إسرائيل المستقبلية ،وهذا ليس موضوع مناقشة لدى اورشليم(القدس)،وسنزور خانا قات،في اورشليم
،حيث كان مربط خيول صلاح الدين ،واستراحة فرسانه.. ..
الشرع أتى ليس من فراغ وليس من خلفيته ومن كان حوله…انه من يلزم لإسرائيل وامريكا والسعودية…وفرنسا باوربيته..الاخرون مثل ايران ،وتركيا الاردوغانية وبقايا الاسد،وروسيا هم للتشويش على السعودية وامريكا واسرائيل…الجنرال عبدي يقع ضمن مشروع حيفا ومكة . ولن نحتاج فيزا لنضع اقدامنا في مياه بحيرة طبريا…لكن لن نتجرأ المشي فوق الماء مثلما عمل المسيح عليه الصلاة والسلام..وسنحافظ على قدسيتها التوراتية ويهوديتها..

اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…