الكُرد في سوريا: بين الولاء الوطني ، و الانتماء  القومي؟

اكرم حسين 
هُناك ، سؤال جوهري يُطرح باستمرار في الأوساط السياسية والفكرية السورية، خاصة بعد التغيرات الجذرية التي شهدتها البلاد في أعقاب الثورة وسقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024: هل الكرد السوريون هم سوريون بهويتهم وانتمائهم السياسي أم كردستانيون بتوقهم القومي؟  وهو سؤال لا يكتسب بعداً نظرياً فقط ، بل يُعد بوابة لفهم الموقف من الكُرد السوريين، ومن حقوقهم، بل ومن حدود انتمائهم للدولة السورية أو تصورهم لكيان سياسي آخر تتجاوز حدوده الجغرافيا السورية.
هذا التساؤل، في جوهره، لا يعبّر عن قلق الأغلبية أو تشكيكها فحسب ، بل يعكس أزمةً أعمق تتعلق بطبيعة الهوية الوطنية السورية نفسها، وهوية الدولة، ومفهوم المواطنة الذي تم تقويضه لعقود طويلة من قبل النظام البعثي الأسدي. لقد فشل هذا النظام في بناء وطن جامع، ولم ينتج عقداً اجتماعياً يضم الجميع، بل سعى إلى هندسة المجتمع السوري على أساس الطاعة والولاء الأمني، وهو ما أدى إلى غياب الدولة بوصفها كياناً سياسياً مدنياً، وحضورها بوصفها جهازاً أمنياً – قمعياً ، قابضاً على العقول والمجتمع والموارد.
في هذا السياق القمعي، لم يكن مستغرباً أن ينكفئ الكرد على ذاتهم، ويتمسكوا بهويتهم القومية كملاذ وجودي أمام سياسات الإنكار والتجريد والتهميش. فمنذ الستينات، تم تطبيق عشرات المشاريع الاستثنائية بحقهم، بدءاً من الإحصاء الاستثنائي لعام 1962 الذي جرد عشرات الآلاف منهم من جنسيتهم السورية، مروراً بالحزام العربي، وصولاً إلى سياسات التغيير الديمغرافي والإقصاء الثقافي. لقد جرى التعامل معهم كغرباء، أو كجماعة مشبوهة، تنتمي إلى “خارج” لا مكان له داخل “الدولة القومية العربية” التي أسس لها حزب البعث منذ استيلائه على السلطة.
ولم يكن انهيار الدولة الأمنية كافياً لتصحيح هذا الخلل البنيوي. فالمعارضة السورية الرسمية، لا سيما الممثلة في “الائتلاف الوطني”، لم تستطع -أو لم ترغب- في إعادة تعريف الدولة السورية بوصفها دولة متعددة القوميات والهويات، تقوم على مبدأ المساواة بين المواطنين، بغض النظر عن انتماءاتهم القومية أو الدينية. بل  كرّرت -بوعي أو دون وعي- نفس النموذج القومي الإقصائي، حين تشبثت بالعروبة كهوية وحيدة للدولة، وتجاهلت مطالب الكرد، وتجنبت الاعتراف بهم كقومية رئيسية  في البلاد.
وقد زاد الطين بلّةً أن الائتلاف، في مرحلة لاحقة، ارتبط عضوياً بالموقف التركي الرافض لأي شكل من أشكال الاعتراف بالكرد، أو تمكينهم من إدارة شؤونهم في المناطق ذات الغالبية الكردية ، وبلغ هذا الموقف ذروته في لحظة صادمة حين غضّت المعارضة النظر عن احتلال تركيا لعفرين وسري كانيه (رأس العين) وكري سبي (تل أبيض)، وما رافقه من انتهاكات وتغيير ديمغرافي واسع. في تلك اللحظة، انكسرت الثقة بين جزء كبير من المجتمع الكردي والمعارضة السورية، وبدأت تتشكل قناعة لدى الكرد بأنهم مستهدفون من قبل الطرفين: النظام والمعارضة، على حد سواء.
من هنا، فإن عدم اندماج الكرد في “الإطار السوري العام” لم يكن خياراً واعياً أو رغبة انفصالية، كما يحلو للبعض أن يصوّره ، بل نتيجة منطقية لسياق من النبذ والإقصاء والتخوين ، ومع ذلك، ظل الكرد السوريون، في غالبيتهم، جزءاً من النسيج السوري، يؤمنون بضرورة التغيير السياسي، ويطمحون إلى بناء دولة ديمقراطية تحترم التعددية، وتضمن الحقوق القومية، وتكفل المواطنة المتساوية.
والآن، وقد سقط النظام الاستبدادي في دمشق في الثامن من ديسمبر 2024، وبدأت مرحلة انتقالية يُفترض أن تفتح الباب لإعادة بناء الدولة من جديد، فإن الفرصة تبدو مواتية أكثر من أي وقت مضى لفتح حوار جاد وعميق حول القضية الكردية بوصفها قضية وطنية سورية بامتياز، ويجب ألا يُنظر إلى هذه القضية بوصفها “عبئاً” على الدولة أو تهديداً لوحدتها، بل باعتبارها جزءاً أصيلاً من معادلة بناء الدولة الحديثة، وإنصافها أحد مفاتيح استقرارها.
القضية الكردية في سوريا ليست طارئة، ولا وافدة  كما يدعي البعض ، بل هي متجذرة في الأرض، والتاريخ، والثقافة منذ قيام الدولة السورية . وإن التعامل معها بوصفها “مشكلة أمنية” أو “هواجس انفصالية” لا يُعبّر إلا عن استمرار العقلية القديمة التي أدت إلى تفكك المجتمع السوري وفشل الدولة الوطنية. أما التعامل معها كقضية قومية عادلة، وفق المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الشعوب، والعهود الخاصة بالحقوق السياسية والثقافية للأقليات، فهو بداية الحل ، وهذا لا يمكن أن يتم عبر الإنكار أو الاستيعاب القسري، بل عبر الاعتراف، والتمكين، والشراكة.
بطبيعة الحال، لا يمكن إنكار أن لدى الكرد في سوريا شعوراً عميقاً بالانتماء إلى “كردستان الكبرى”، التي هي فكرة تاريخية وثقافية وجغرافية تتجاوز الحدود السياسية الحالية لأربع دول (تركيا، إيران، العراق، وسوريا). وهذا الانتماء ليس خطراً في حد ذاته، ما لم يُترجم إلى مشاريع انفصالية مسلحة تهدد استقرار الدول القائمة ، وفي الحالة السورية، فإن الكرد السوريين لم يحملوا السلاح يوماً من أجل الانفصال، بل ظل خطابهم السياسي -حتى في ذروة الاضطهاد- يدعو إلى الاعتراف الدستوري بهم ضمن إطار الدولة السورية الواحدة.
ولعل النموذج العراقي يشير إلى إمكانية التعايش بين الولاء الوطني والانتماء القومي. فالكرد في العراق، رغم إدارتهم لكيان فيدرالي شبه مستقل، ظلوا جزءاً من الدولة العراقية، وشاركوا في مؤسساتها، وساهموا في رسم سياساتها، وإن كانت هناك محطات توتر وانفصال جزئي، إلا أن مسار الشراكة ظل قائماً. ويمكن للكرد السوريين أن يشكلوا نموذجاً مشابهاً، إذا ما تم الاعتراف بهم بوصفهم مكوّناً أساسياً من مكوّنات الوطن السوري، لا مجرد “أقلية إثنية”.
حتى ذلك الوقت، تبقى الدولة السورية هي الإطار الواقعي والسياسي الوحيد الذي يمكن للكرد أن يعيشوا ضمنه، ويشاركوا في بنائه، عبر مؤسسات تمثيلية حقيقية، ونظام سياسي ديمقراطي، يضمن العدالة، ويكرّس التعددية بوصفها غنىً لا تهديداً ، وهذا لا يتناقض مع تطلع الكرد إلى تعزيز التنسيق والتكامل مع إخوانهم في الأجزاء الأخرى من كردستان، في المجالات الثقافية والاقتصادية، وربما السياسية، ضمن أشكال جديدة من العلاقات العابرة للحدود، كالفيدرالية العابرة للدول أو الكونفيدرالية الثقافية أو السوق المشتركة، دون أن يُشكل ذلك تهديداً للدول التي يعيش فيها الكرد، بل بالعكس، يمكن أن يُساهم في استقرارها.
تستوجب اللحظة الراهنة من الإدارة الانتقالية في دمشق أن تتعامل مع الكرد السوريين، كشركاء في الوطن، وفي صناعة مستقبله ،وهذا يقتضي إعادة صياغة العقد الاجتماعي السوري، وإرساء دعائم دولة المواطنة المتساوية، التي تُبنى على الاعتراف، والتعدد، و الشراكة.
أخيراً،السؤال عن هوية الكرد السوريين، لا يُجاب عليه بنعم أو لا، بل بفهم أعمق لمعنى الوطن، ولمفهوم الأمة. فإذا كنا نقبل بأن “الأمة” هي جماعة من الناس يعيشون ضمن جغرافيا سياسية واحدة، ويتشاركون في صناعة مصيرهم، فإن الكرد السوريين هم جزء من الأمة السورية، كما أنهم جزء من الأمة الكردية. والجمع بين هذين الانتماءين ليس تناقضاً، بل مصدر غنى، ورافعة لإنتاج هوية سورية جديدة، متعددة، مدنية، جامعة، لا تستبعد أحداً، ولا تنكر حقوق أحد.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

المحامي عبدالرحمن نجار بضغط القوى الدولية ودعوة أقليم كوردستان العراق أنعقدكونفرانس في 26 نيسان 2025 بمدينة القامشلي أجتمع فيه مجلس الوحدة الوطنية بقيادةحزب الإتحاد الديمقراطي، وقيادة المجلس الكوردي، من أجل وحدة الصف الكوردي خاصة بعدرحيل نظام البعث.فتم الإتفاق على خطاب سياسي “الفيدرالية،اللامركزية”!. قلنافي حينها أنه مصطلح ناقص مخالف للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، أما المصطلح الصحيح هو:”الفيدرالية القومية وفق اللامركزية…

ماجد ع محمد   صحيحٌ بأن المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وإيران في إسلام آباد بباكستان تلكأت مرةً أخرى، ولكن هذا لا يعني بأنهم وصلوا إلى طريقٍ مسدود، ما دام أن الخصمين اللدودين إلى الآن مهتمان بالتهدئة، كما أنه معروف عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه مزاجي ورجل صفقات، حيث إن عيونه في كل الأوقات مفتوحة على الجانب الاقتصادي، وهذه…

د. محمود عباس   الأمم الصغيرة ومكانتها في النظام العالمي الجديد.   لم يعد النظام العالمي الجديد حكرًا على الأمم الكبرى وحدها، ولا باتت المكانة الدولية تُمنح فقط لمن يملك المساحة الأوسع أو الجيوش الأضخم. فخلال العقود الأخيرة، أثبتت تجارب متعددة أن أممًا ودولًا صغيرة استطاعت أن تفرض لنفسها وزنًا يتجاوز حجمها الجغرافي والديمغرافي، لا لأنها…

عاكف حسن في كل مرحلة سياسية معقدة، يظهر مصطلح يلمع أكثر مما يشرح، ويُستخدم أكثر مما يُفهم. في حالتنا، اسم هذا المصطلح هو: “الاندماج الديمقراطي”. هذه ليست نظرية سياسية بقدر ما هي وصفة سحرية جاهزة، خرجت من فضاء أفكار عبد الله أوجلان، لا من رحم التجربة السياسية والاجتماعية لروجافا. ومن هنا يبدأ الالتباس: مشروع لم يُصغَ على قياس طموحات الناس…